شاطئ الأحزان: في زمن الهكسوس
الحلقة الثانية ( في زمن الهكسوس)
“وبعد ذلك حوصرت شاروهين لمدة ثلاث سنوات، ثم نهبها جلالته”
أحمس بن إبانا
الهكسوس: الأصل والهوية السياسية
كما رأينا في الحلقة الأولى من شاطئ الأحزان عن تاريخ غزّة خلال العصر البرونزي المبكر، واليوم ننتقل إلى العصر البرونزي الوسيط، ولكن علينا أولًا أن نلقي نظرةً على الأحداث الدرامية التي جرت قبل ذلك بقليل.
انتهى العصر البرونزي المبكر في أرض كنعان وبلاد الشام عمومًا بانهيارٍ شبه كاملٍ للنظام الحضري. هُجرت أغلب المدن المسوّرة، وساد طوال السنوات الأخيرة من العصر البرونزي المبكر نمطُ حياةٍ رعويٍّ وشبهِ بدويٍّ. ولكن مع حلول العصر البرونزي الوسيط بدأت العودةُ إلى المدن الحضرية بالتدريج في مناطق السهل الساحلي لشرق المتوسط.
لم يختلف مصيرُ غزّة عن باقي حواضر بلاد الشام خلال تلك الحقبة. كانت المدينةُ المحصّنة في «تل السكن» بمثابة العاصمة الحضرية الأكبر والمركز الإداري لمنطقة غزّة خلال العصر البرونزي المبكر، ولكن الحفائر الأثرية تُظهر حالةً من الهجران التام والانهيار الشامل حدثت، على الأرجح، خلال الفترة ما بين سنة ٢٣٥٠ ق.م وسنة ٢٣٠٠ ق.م. وتجدر الإشارة إلى أنّ الحفائر لا تُظهر طبقاتِ حريقٍ هائلةً أو تدميرًا عسكريًا عنيفًا على غرار ما حدث لاحقًا في مناطق أخرى، ولكنها أظهرت توقّفًا تامًا للبناء وصيانةِ الأسوار الدفاعية، وانهيارًا تدريجيًا للعمائر والتحصينات المبنية بالطوب اللَّبِن، واختفاءً كاملًا للثقافة المادية الحضرية.

أواريس وتل العجول: وحدة النظام السياسي
يُرجّح علماء الآثار أنّ نهاية تلّ السكن، كغيره من حواضر بلاد الشام في تلك الحقبة، جاءت نتيجة الجفاف الممتدّ الذي ضرب شرق البحر المتوسط، مما أدّى إلى فشل الزراعة المعتمدة على الأمطار في المناطق المحيطة بغزّة، فنشبت المجاعةُ مخالبَها في الحواضر، وتعطّلت شبكاتُ التجارة، واضطرّ السكانُ إلى التخلّي عن منازلهم والحياة الحضرية المستقرّة، واللجوء إلى النمط المتنقّل الرعوي للبقاء على قيد الحياة. هجر الناس المدينةَ بمبانيها في تلّ السكن، ولم يعودوا إليها مرةً أخرى على الإطلاق.
وعندما بدأت دورةٌ حضريةٌ جديدةٌ مع انقضاء القحط وبداية العصر البرونزي الوسيط، لم يَعُد السكانُ لبناء مدينتهم فوق أنقاض تلّ السكن، بل اختاروا موقعًا جديدًا على بُعد كيلومتراتٍ قليلةٍ جنوبًا، وهو «تلّ العجول»، الذي أصبح الحاضرةَ الجديدةَ لغزّة، مستفيدًا من قربه من مصبّ وادي غزّة.

تزامنت تلك الأحداث مع انهيار الدولة القديمة في مصر، وانسحاب الحاميات المصرية من غزّة وسائر كنعان. ومع بزوغ الدولة الوسطى خلال العصر البرونزي الوسيط، تغيّرت طبيعة العلاقة مع كنعان من هيمنةٍ إداريةٍ وعسكرية إلى دبلوماسيةٍ حذرة، وشهدت المنطقة ما يسمّيه علماء الآثار «النهضة الكنعانية».
تُعَدّ «نصوص اللعنة» المصرية مصدرًا هامًا لفهم الديموغرافيا السياسية في تلك الفترة، حيث ذكرت بعض أسماء الملوك والمدن الكنعانية كأعداء محتملين لملوك مصر. وحسب ذلك الطقس السحري كانت تُكتب أسماء الأعداء والأعداء المحتملين على تماثيل أو أوانٍ فخارية، ثم تُحطَّم لقهرهم. وقد قدّمت لنا شقفات الفخار هذه ما يمكننا تسميته بأول مسحٍ جغرافي–سياسي لكنعان.
تشير اللُّقى الأثرية في الطبقات السفلى من «تل العجول» إلى بداية تأسيس مستوطنةٍ حضريةٍ محصّنة. اعتمدت المدينة في هذه المرحلة على استغلال موقعها الاستراتيجي – كميناءٍ محميٍّ طبيعيًا – الذي سمح بتطوّر الملاحة البحرية المبكرة مع جزيرة قبرص وسواحل بحر إيجة، بالتوازي مع التجارة البرية مع دلتا النيل من جهة، ومع عرب الجزيرة من جهةٍ أخرى. وتُظهر الحفريات في تل العجول وجودَ قصورٍ ومساكنَ تشير إلى تراتُبٍ طبقيٍّ ونظامٍ إداريٍّ مركزي.
كان ظهور الهكسوس الحدثَ الأهمَّ والأخطرَ والأكثرَ تأثيرًا على مصر وغزّة وأرض كنعان عمومًا خلال العصر البرونزي الوسيط.
كلمة «هكسوس» هي الصيغة اليونانية التي نقلها المؤرخ مانيتون السمنودي خلال القرن الثالث قبل الميلاد عن اللفظ المصري القديم «حقا–خاسوت»، وتعني حرفيًا (حكّام الأراضي الأجنبية). استخدم المصريون هذا المصطلح خلال الدولة الوسطى للإشارة إلى شيوخ القبائل البدوية، وليس إلى شعبٍ بأكمله، ولكن لاحقًا أصبح علمًا على السلالة الحاكمة.
ولفترةٍ طويلةٍ تضاربت الآراء حول الأصول العرقية للهكسوس وحول موطنهم الأصلي، ولكن صار الرأي المُرجَّح حاليًا، والمستند إلى الأدلة الأثرية وعلم الأسماء، يحدّد بشكلٍ شبه قاطع أنهم ساميون غربيون، وتحديدًا من أصولٍ عمورية–كنعانية.
يبدو أنّ هذا الغزو قد بدأ بتسلّلٍ تدريجي، ثم تحوّل مع الوقت إلى مدٍّ بشريٍّ جاء إلى مصر هربًا من الاضطرابات في مواطنه الأصلية أو بحثًا عن فرصٍ أفضل للكسب والمعيشة، واستوطنت تلك الجماعات مناطقَ شرق الدلتا، ولاحقًا استغلّت حالةَ ضعف السلطة المركزية التي وصلت إليها الدولة الوسطى، فكان ذلك بمثابة بدء الانقلاب في طبيعة العلاقة بين مصر وغزّة، كما سنرى.
غزة كمركز لوجستي وتجاري للهكسوس
بدأ الزعماء المحليون لهذه الجاليات «المتمصّرة» في شرق دلتا النيل بإدارة شؤونهم ذاتيًا، ثم توسّعوا تدريجيًا لملء الفراغ السياسي، حتى أعلنوا أنفسهم ملوكًا شرعيين وأسسوا الأسرة الخامسة عشرة التي حكمت مصر السفلى والوسطى، وفرضت الجزية على مصر العليا. وقد جعل الهكسوس من مدينة «أواريس» (تلّ الضبعة حاليًا) عاصمةً لهم.
أثناء سيطرة ملوك الهكسوس على مصر وصلت المدينة في «تلّ العجول» إلى ذروة اتّساعها وثرائها. لم تكن غزّة خلال تلك المرحلة مجرّد مدينةٍ تابعة، بل تحوّلت إلى المدينة التوأم للعاصمة أواريس، وكذلك المركز اللوجستي الرئيسي للهكسوس في كنعان. وقد أظهرت التنقيبات الأثرية في تلّ العجول تطابقًا كبيرًا في الثقافة المادية بين غزّة وأواريس، مما يؤكّد وحدة النظام السياسي والاقتصادي الذي ربط بين الموقعين.
يبدو أنّ ملوك الهكسوس سعوا بشتى الطرق لضمان ولاء غزّة واكتساب ودّ حكّامها وسكّانها على حدٍّ سواء. لقد حوّلوا المدينة في تلّ العجول من مجرّد محطةٍ على طريق حورس إلى المركز الحاكم للتجارة بين الشرق والغرب.
لا شكّ أنّ الطبقة الحاكمة بغزّة قد حقّقت أرباحًا كبيرةً من التجارة خلال زمن الهكسوس، وهذا ما تؤكّده كثرة اللُّقى والكنوز من الحُليّ الذهبية المكتشفة في تلّ العجول، والتي تمزج بين أنماط الفنّ المصري والكنعاني، وتُظهر حجم التراكم الرأسمالي والثروة الهائلة التي تدفّقت إلى المدينة نتيجة احتكارها لتجارة القوافل بين مصر وبلاد الشام.






شاروهين وحملة أحمس الأول


وباختصارٍ شديد، إن لم تكن شاروهين هي غزّة، فمن المؤكّد أنّها لا تبعد عنها كثيرًا. والحقّ أنّ عددًا كبيرًا من علماء الآثار صاروا يُرجّحون الآن أنّ شاروهين هي المدينة المحصّنة في تلّ العجول.
وعلى كلّ حال، سواءً كانت شاروهين هي تلّ العجول ذاته أم حصنًا آخر مجاورًا له، فإنّ الآثار التدميرية لحملة الملك أحمس الأول كانت كبيرةً على غزّة والمنطقة المحيطة بها. أظهرت التنقيبات الأثرية في تلّ العجول وجودَ طبقةِ تدميرٍ ورمادٍ واسعةِ النطاق، مما يشير إلى حرق المدينة وتدمير أسوارها بالكامل.
من الآن فصاعدًا، وعلى مدار الدولة الحديثة خلال العصر البرونزي المتأخّر، ستتغيّر سياسة مصر تجاه كنعان، وسينعكس ذلك على غزّة أكثر من أي بقعةٍ أخرى. لقد تسبّبت تلك الأحداث في تغيير استراتيجية الدولة المصرية؛ فلا ريب أنّ ظهور الهكسوس أدّى إلى إخراج مصر من عزلتها في وادي النيل، وانتهاجِ ملوكِ الدولة الحديثة سياساتٍ أكثر توسّعية.
في الحلقة القادمة إن شاء الله سننتقل إلى العصر البرونزي المتأخّر لنرى كيف ستلعب غزّة دور العاصمة المصرية لكنعان، وسنبحث معًا عن موقع مركزها الإداري الجديد على شاطئ الأحزان.
لقراءة الحلقة الاولي من شاطئ الاحزان
لمزيد من الموضوعات المشابهة يمكنك تصفح موقع المقتني العربي من خلال الرابط التالي




