التاريخالعملات المعدنية

شاطئ الأحزان (غزة): ضحكات وعبرات بين ركام التاريخ

الحلقة الأولى ( البدايات )

وإنّي لمشتاقٌ إلى أرضِ غزّةَ … وإن خانني بعدَ التفرّقِ كتمانـي.
سقى اللهُ أرضًا لو ظفرتُ بتربِها … كحّلتُ به من شدّةِ الشوقِ أجفاني.

الإمام محمد بن إدريس الشافعي

فكّرتُ في عنوانٍ لسلسلةِ مقالاتٍ أستعرضُ فيها تاريخَ غزة القديم، فوجدتُ نفسي أخطُّ شاطئَ الأحزان، وهو للأسف عنوانٌ ينسحب على الماضي والحاضر. في هذه السلسلة سنقف على شاطئ غزّة، لا لنرى الركامَ الحديث، وإنّما لننظر فيما تحته من ركامٍ قديم، حتى نصل إلى أقدم طبقات الدمار.

بمحاذاة هذا الشاطئ سنمضي مقتفين أثرَ التجّارِ والغزاةِ الذين مرّوا منذ آلاف السنين عبر نقطة الوصل بين ثلاث قارّات، لنلتقط سويًّا بعض الضحكات والعَبَرات من ركام التاريخ؛ فذلك الطريق الموغل في القدم قد خلق الازدهارَ والدمار، وجمع بينهما في ثنائيةٍ كانت بمثابة التجسيد الصعب لهِبَة الجغرافيا ولعنتها في آنٍ واحد.

جغرافيا غزة وتضاريسها

إنّ التنقيب في تاريخ هذه البقعة من الأرض قد يأخذنا إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، ولكن قبل الانغماس في التاريخ من الضروري أن ننظر سريعًا في أمر الجغرافيا؛ فلا يمكن فهم تاريخ غزة القديمة من دون دراسة موقعها وجغرافيتها. فلم تكن غزّة عبر التاريخ مجرّد رقعةٍ جغرافيةٍ عادية، بل كانت أشبه بعنق الزجاجة الذي يربط بين قارّتي آسيا وأفريقيا برًّا.

فرض هذا الموقع الفريد عليها أن تكون محطةَ استراحةٍ للقوافل التجارية، ومعبرًا إجباريًا للجيوش والحملات العسكرية، وكذلك مركزًا حضاريًا يمزج بين ثقافات العالم القديم.

كانت غزّة نقطةً هامّةً على مسار الطريق الساحلي القديم، والذي سمّاه المصريون طريق حورس، كما كانت غزّة بالنسبة لهم الحصنَ الأول والمدخلَ الرئيسي إلى أرض كنعان، وتأمينُها كان يعني تأمينَ حدود مصر. وعلى جانبٍ آخر كانت غزّة نقطةَ النهاية لطريق البخور القادم من الجزيرة العربية عبر صحراء النقب، مما جعلها ميناءً عالميًا لتصدير التوابل والبخور إلى أوروبا.

شُيِّدت غزة القديمة على تلٍّ مرتفعٍ نسبيًا، وهذا الموقع المرتفع وفّر لها حمايةً طبيعية، وأبعدها عن الرطوبة المباشرة للبحر. فقد كان هذا التل يبعد حوالي أربعة كيلومترات عن الشاطئ المفتوح، مما جنّب المدينة الهجماتِ المباغتةَ للقراصنة من البحر. كما أحاطت بها كثبانٌ رمليةٌ متموّجة، خاصةً من الجهة الغربية والجنوبية، شكّلت أيضًا حاجزًا طبيعيًا وصعّبت حركةَ الجيوش الثقيلة القادمة من الصحراء. ومن اللافت للنظر أنّ حالةَ الميناء المنفصل عن المدينة لم تقتصر تاريخيًا على غزّة وحدها، فهناك أكثر من مدينةٍ أخرى تقع على نفس الطريق الساحلي انتهجت هذا التخطيط.

بالقرب من شرق وشمال المدينة، امتدّت سهولٌ ذات تربةٍ خصبة، مما سمح بزراعة الحبوب والكروم وأشجار الزيتون التي اشتهرت بها غزة قديمًا. وإلى الجنوب من المدينة يشقّ وادي غزّة مساره، الذي وفّر مصدرًا للمياه العذبة، كما شكّل مانعًا آخر يحمي مركزَ غزّة القديمة.

وإجمالًا نرى أنّ جغرافيا غزّة القديمة كانت نعمةً ونقمةً في آنٍ واحد؛ فموقعها جعلها محصّنةً وثريةً للغاية ومركزًا للتجارة العالمية، لكنه جعلها أيضًا ساحةَ حربٍ دائمةً بين إمبراطوريات العالم القديم.

خريطة مدينة غزة

نشأة مدينة غزة

وصلتنا بعضُ الأدلةِ الأثرية التي تُرجّح أنّ غزّة تأسّست كمدينةٍ محصّنة خلال النصف الثاني من الألفية الرابعة قبل الميلاد، وهذا يعني أنّ بدايتها ترتبط بحضارات الشرق القديم. وربما كانت بداية غزة معاصرةً للأسرة المصرية الملكية الأولى، واللافت أنّ تلك البداية كانت كذلك متّصلة بمصر اتصالَ القلب بالشرايين؛ وهذا ما أكّدته نتائجُ أعمال الحفائر الأثرية في موقع تلّ السكن، والتي كشفت عن أسوارٍ وتحصيناتٍ من الطوب اللَّبِن، وأساساتٍ لمراكز إدارية وأحياءٍ سكنية، فضلًا عن اللُّقى الفخارية والأختام الطينية، والتي تشير كلّها إلى تأثيراتٍ مصرية من حيث العمارة وتقنيات الصناعة. فقد بُنيت المدينة وفقًا لأساليب البناء التي كانت متّبعة في وادي النيل خلال عصر ما قبل الأسرات وبداية الأسرة الأولى.

نحن هنا نتحدّث عن اتصالٍ يفوق المعاملاتِ التجاريةَ وتأمينَ الحدود، بل ويتعدّاها بكثير؛ فقد فرضت الجغرافيا هذا الاتصال الذي سيتحوّل إلى قاعدةٍ تاريخية وثقافةٍ ممتدّة.

شاطئ الأحزان (غزة): ضحكات وعبرات بين ركام التاريخ
حفائر تل السكن تظهر أساسات بعض العمائر التي تعود لنهايات الألفية الرابعة قبل الميلاد

يُعَدّ المكوّنُ الكنعاني هو الجذرَ الأصيلَ لسكّان مدينة غزة منذ بزوغ فجر التاريخ المدني في هذا الإقليم. وكان ذلك المكوّن بمثابة الشريك الحضاري مع مصر في غزة، وبمرور الزمن ترسّخت الصلات وامتزج المكوّن الكنعاني بالثقافة المصرية، والحقّ أنّ الآثار المكتشفة تُظهر ذلك لكل بصير. نرى مثلًا في موقع تلّ السكن استخدامَ الطوب اللَّبِن بمقاساتٍ مطابقة لما وُجد في أبيدوس ونقادة، بالإضافة إلى أفران صناعة الفخار المصري محليًا، ونرى كذلك كيف اكتُشِفت أواني طبخٍ كنعانية داخل البيوت ذات الطراز المصري، ثم يمتدّ الأمر إلى عادات الدفن. والتدرّج هنا مقصود؛ تمازجٌ يبدأ بالبناء والعيش ويمتدّ إلى الدار الآخرة.

عُثِر على نمطين من الدفن في غزة خلال تلك الحقبة: نمطٍ كنعاني (قبور جماعية)، ونمطٍ متأثّرٍ جدًّا بالثقافة المصرية، يتمثّل في استخدام التوابيت الطينية وأواني الأحشاء، وهذا يشير إلى أنّ سكّان غزّة آمنوا بمفاهيم «العالم الآخر» المصرية، أو على الأقل استعاروا طقوس الوجاهة الاجتماعية الجنائزية من جيرانهم المصريين.

كان المجتمع الغزّي مجتمعًا حضريًا بخلاف المناطق المحيطة التي ظلّت ريفية، وكان لهذا المجتمع تنظيمٌ إداريٌّ وطبقيٌّ راسخ، على نمط المدينة–الدولة الذي ورثه الكنعانيون عن السومريين.

كانت اللغة الكنعانية هي لغة غالبية سكّان غزة خلال تلك الحقبة، وهي اللغة الأمّ لكلّ اللغات السامية الغربية، لكن اللغة المصرية القديمة كان لها حضورٌ في تدوين المعاملات التجارية والمراسلات الإدارية، وهذا أفضى إلى خلق لغةٍ هجينة تجمع بين المفردات الكنعانية والمصرية لتسهيل التواصل بين اللسانين.

من المعروف أنّ الكنعانيين كانت لهم معبوداتهم الخاصة، لكن يبدو أنّ نوعًا من التماهي مع المعبودات المصرية قد حدث، وسيستمر هذا التداخل، وستُضاف إليه تأثيراتٌ خارجية أخرى في المراحل التالية للعصر البرونزي المبكر.

اتّسمت ثقافة غزة بتنوّع مصادرها منذ اللحظة الأولى؛ فهي مدينةٌ تجارية بشكلٍ أساسي، وتفِد إليها الثقافات المتنوّعة مع البضائع، ولكن ظلّ المصدر الكنعاني المحلي حاضرًا دائمًا جنبًا إلى جنب مع التأثيرات المصرية والإقليمية الأخرى، وهذا ما جعلها نقطةَ تلاقٍ ثقافي بين شعوبٍ وحضارات المنطقة.

شاطئ الأحزان (غزة): ضحكات وعبرات بين ركام التاريخ
مجسم ضفدع منحوت من الحجر الجيري، مستخرج من تل السكن ويعود للعصر البرونزي المبكر، كما يظهر التأثر بالفن المصري القديم
شاطئ الأحزان (غزة): ضحكات وعبرات بين ركام التاريخ
مقبض خنجر مصنوع من العظم ومزين بنقوش هندسية، مستخرج من تل السكن ويعود للعصر البرونزي المبكر، كما يظهر التأثر بالفن المصري القديم
شاطئ الأحزان (غزة): ضحكات وعبرات بين ركام التاريخ
بعض قطع الفخار المصري، مستخرجة من تل السكن وتعود للعصر البرونزي المبكر، وتحمل نقوش مصرية ترمز للملك نعرمر مؤسس الأسرة الملكية الأولى

الختام

وإجمالًا يمكننا تلخيص الأمر كالآتي: كانت غزة في زمن تأسيسها كنعانيةَ اللسان والمنشأ، كوزموبوليتانيةَ الثقافة والنشاط، مصريةَ الإدارة والروح. وهذا التمازج هو الذي جعلها المدينةَ الوحيدةَ في بلاد الشام التي استمرّت كمركزٍ إداريٍّ مصريٍّ لأكثر من ألف عام دون انقطاعٍ جوهري.

في الحلقة القادمة سنتعرّض لأصل اسم غزة ومعناه، كما سننتقل تاريخيًا إلى العصر البرونزي الوسيط والمتأخّر، لنرى كيف أثّر تراجعُ مصر وظهورُ الهكسوس على غزة، ثم كيف تغيّرت الأوضاع مع عودة مصر مرةً أخرى وتأسيس الأسرة الثامنة عشرة بعد طرد الغزاة، وكيف صارت غزة عاصمةَ الحكم المصري في أرض كنعان.

تابعونا في الحلقة القادمة

لمزيد من الموضوعات المشابهة يمكنك تصفح موقع المقتني العربي من خلال الرابط التالي

مسكوكات عسقلان عبر العصور

محمد عبدون

مهندس مصري و باحث حر في تاريخ المسكوكات Egyptian engineer and freelance researcher in the history of coins

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى