العملات المعدنية

الهلال على المسكوكات

بمناسبة شهر رمضان الفضيل وإستطلاع هلاله المبارك، دعونا نرى الهلال على المسكوكات التي صدرت في مصر وعبر التاريخ الإسلامي وما قبله. بدايةً، علينا تفهم أن الهلال يعد من الرموز التي استخدمت على أنواع متعددة من المسكوكات، بعضها إسلامي والكثير منها غير إسلامي. وقد اخترنا نموذجاً لافتاً وهو فلس مملوكي للسلطان المنصور علاء الدين علي بن شعبان، والذي يحمل تصويراً للهلال داخل النجمة السداسية.

بطبيعة الحال، قد يندهش البعض من اجتماع الهلال والنجمة السداسية في قطعة واحدة، والحقيقة أن سبب هذا الالتباس هو عدم إدراك أن تلك النجمة ما هي إلا وحدة زخرفية شاع استخدامها خلال العصور الإسلامية، ولم تكن أبداً رمزاً دينياً أو طائفياً في ذاك الحين.

الهلال على المسكوكات

الهلال في العصر الأموي: أوزان ونقوش

بالانتقال إلى العصر الأموي، نجد صنجة زجاجية أموية نرى في أعلاها تصويراً مصغراً للهلال. والحقيقة أن الهلال هنا يلعب دوراً ثانوياً، فالأهم هو المكتوب بالخط الكوفي البسيط: (مما أمر عبيد الله ابن الحبحاب واف ا فلس ثمنية عشر خروبة). نفهم من هذا المكتوب أن هذه الصنجة كانت “وزنة” للفلس الذي يعادل وزن 18 خروبة. وجدير بالذكر أن الأمير “عبيد الله بن الحبحاب السلولي القيسي” كان عامل الخليفة هشام بن عبد الملك على أفريقية، وقد اشتهر باستكمال عمارة جامع الزيتونة في تونس.

الهلال على المسكوكات

ومن نفس العصر، نجد فلس أموي “معرب” للخليفة الواقف ضرب بمدينة القدس. نرى على الوجه تصويراً أمامياً لعبد الملك بن مروان واقفاً وممسكاً بسيفه، وعلى الظهر كُتب ناحية اليمين (فلسطين) وناحية اليسار (إلياه) أي إيلياء أو القدس كما نعرفها اليوم، وفي المنتصف بالأعلى نرى تصوير الهلال؛ رزقنا الله وإياكم صلاة في أولى القبلتين وثاني الحرمين.

الهلال على المسكوكات

طرز فريدة: السيدة المتوجة في الموصل

وعن المسكوكات المميزة جداً، نحط رحالنا في الموصل بزمن الأتابك الزنكي ناصر الدين محمود سنة 627 للهجرة. وكما تعلمون، فقد تميزت نقود الزنكيين في الموصل والأراتقة في ماردين بطرز فريدة بين سائر السكة الإسلامية. نرى على الوجه تصويراً أمامياً لسيدة متوجة تجلس القرفصاء وتمسك بيديها هلالاً كبيراً، بينما ملابسها وهيئتها لها طابع تركي واضح. وقد كُتب على الهامش من اليمين لليسار: (ضرب بالموصل — سنة سبع — عشرين وستمائة).

أما على الظهر، فقد كُتب في المركز: (الامام لا إله إلا الله محمد رسول الله المستنصر بالله أمير المؤمنين)، وعلى الهامش الدائري: (الملك الكامل الملك الأشرف ناصر الدنيا والدين أتابك محمود). وبالطبع، يمكننا التوسع في تحليل تصوير المرأة الجالسة وشرح تسلسل الولاءات والتحالفات التي تظهر على تلك المسكوكة، لكننا هنا نركز على وجود الهلال كعنصر أساسي.

الهلال على المسكوكات

الهلال في العصر الروماني: بين الفلك والتنجيم

إذا نظرنا فيما هو أقدم من السكة الإسلامية، نجد مسكوكة سكندرية مميزة جداً يعود تاريخها لفترة الحكم الروماني في مصر. هنا يتخطى الهلال كونه مجرد رمز أو عنصر فني، فالهلال يلعب دوراً حسابياً ضمن “معادلة فلكية”. تنتمي هذه القطعة لسلسلة إصدارات شهيرة تسمى مجموعة “زودياك” أو مجموعة الأبراج والأجرام السماوية.

نرى على الظهر تصويراً للسرطان البحري يعلوه الهلال محتضناً تصويراً جانبياً لرأس المعبودة “سيلين” إلهة القمر، وفي يمينها نجمة صغيرة. ببساطة، هذا الطراز يعبر عن دخول القمر في برج السرطان (من 21 يونيو حتى 21 يوليو)، حيث يولد الهلال ليكبر ويحجب رؤية هذا البرج السماوي. وهنا نؤكد على الفرق الشاسع بين “الفلك” كعلم و”التنجيم” كخرافة؛ فبينما يدعي المنجمون أن هذا الوقت غير ملائم للزواج، نقول لكم عن يقين: “تزوجوا أنَّى شئتم”.

الهلال على المسكوكات

مسكوكات الرصاص والجدل التاريخي

ومن المسكوكات الرومانية المصرية أيضاً، نجد قطعة مصنوعة من الرصاص تسمى “تيسيرا”. نرى على الوجه تصويراً للغلام “أنطينو” (المفضل لدى الإمبراطور هادريان) في هيئة مؤلهة، وعلى اليمين أمام الرأس نرى تصوير الهلال ملاصقاً للوجه. أما على الظهر فنرى تصويراً يوصف بأنه “حورس” فضلاً عن نقش (LΔ) الذي يعني السنة الرابعة.

تثير هذه المسكوكات الرصاصية الكثير من الجدل حول الدافع لسكها واستخداماتها وقيمتها، وهناك جدل حول مكان السك؛ هل هي الإسكندرية أم مدينة “أنطينوبوليس” التي شيدها هادريان عند الموقع الذي غرق فيه غلامه على ضفاف النيل. وعلى الرغم من ترجيح الإسكندرية حالياً، إلا أن الأدلة المستقبلية قد تغير هذه الفرضيات.

الهلال على المسكوكات

دنانير الصلة: ختام ذهبي

ختاماً، نعود للمسكوكات الإسلامية مع مسكوكة ذهبية بويهية جميلة من نوعية “دنانير الصلة” أو النقود التذكارية. يبلغ وزن هذه القطعة عشرة دنانير دفعة واحدة (42.85 جرام)، وهي من ضروب مدينة “المحمدية” سنة 362 هـ. نلاحظ عليها اسم الخليفة العباسي “المطيع لله” متبوعاً باسم “ركن الدولة أبو علي بويه”، وما يهمنا هنا هو رؤية خمسة أهلة مصغرة تزين هامش كل وجه من وجوه هذه المسكوكة الفريدة.

كل عام وأنتم بخير، ورمضان مبارك.

الهلال على المسكوكات

لمزيد من المواضيع المشابهة يمكنك تصفح موقع المقتني العربي من خلال الرابط التالي:

محمد عبدون

مهندس مصري و باحث حر في تاريخ المسكوكات Egyptian engineer and freelance researcher in the history of coins

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى