التاريخالعملات المعدنية
حجر حمص الأسود، رحلة إله من حمص إلى روما
حجر حمص الأسود
تُعرف مدينة حمص السورية في الذاكرة الشعبية باسم مدينة الحجارة السود، أو أمّ الحجار السود، ويُعزى ذلك إلى وفرة الصخور البركانية البازلتية الداكنة التي تحيط بالمدينة وتدخل في عمرانها منذ قرون. غير أنّ حمص عُرفت تاريخيًا بحجرٍ أسود واحد بعينه، حجرٍ لم يكن مجرّد عنصرٍ من عناصر الطبيعة، بل كان مركز عبادة، ومصدر شرعية، ورمزًا دينيًا بلغ تأثيره قلب الإمبراطورية الرومانية نفسها.
مثّل هذا الحجر الأسود رمزًا لإله الشمس الحمصي «إيلا غابال» (Elagabal).
يتكوّن اسم «إيلا غابال» من عنصرين ساميّين واضحين:
إيل: الإله
غابال / جبل: الجبل
فيكون المعنى المرجّح: «إله الجبل»، وهو لقب ينسجم مع طبيعة العبادة الشمسية المرتبطة بالعلوّ والنور والنظام الكوني.
لم يُجسَّد هذا الإله في هيئة بشرية كما هو الحال في الآلهة الكلاسيكية، بل تجسّد في حجرٍ أسود مخروطي الشكل، يُعتقد أنه نيزك سماوي، يمثّل الشمس ذاتها لا صورتها.
تشير القرائن التاريخية إلى أنّ عبادة هذا الإله سبقت الحكم الروماني لسوريا بقرون. ورغم غياب النصوص المبكرة، تضعه طبيعة هذه العبادة ضمن تقاليد الآلهة الشمسية السامية المنتشرة في بلاد الشام وبلاد الرافدين.
ومع العصر الهلنستي، أصبحت حمص مركزًا دينيًا منظّمًا، وأُسندت خدمة الإله إلى كهانة وراثية تنتمي إلى نخب المدينة الحاكمة. ولم يكن الكاهن مجرّد رجل دين، بل كان حاملًا للشرعية السياسية والاجتماعية معًا.
كان قلب هذه العبادة معبدُ إيلا غابال في حمص، حيث حُفظ الحجر المقدّس وأُقيمت الطقوس. وتؤكّد المصادر الرومانية قِدم هذا المعبد، وأنه شكّل محور الحياة الدينية في المدينة.
غير أنّه، وعلى خلاف معابد رومانية أخرى، لم يُعثر حتى اليوم على بقايا مؤكَّدة لهذا المعبد. ويرجّح الباحثون أنه كان قائمًا داخل النواة القديمة للمدينة أو في موضعٍ مرتفع ذي دلالة رمزية، انسجامًا مع لقب «إله الجبل». وغالبًا ما يُشار إلى منطقة تلّ حمص (القلعة لاحقًا) كموقعٍ محتمل. ويُفسَّر غياب الأدلة الأثرية بعدة عوامل، منها:
- الاستيطان المستمر في حمص عبر العصور
- إعادة استخدام الحجارة في العصور البيزنطية والإسلامية
- التحوّلات الدينية التي أدّت إلى طمس المعالم الوثنية
وهكذا بقي المعبد حاضرًا في النصوص… غائبًا عن الأرض.
تظهر أولى الإشارات الصريحة إلى إله الشمس الحمصي في القرن الأول الميلادي، حين تحوّلت حمص إلى مملكة حليفة لروما. فقد جمعت عائلة سمبسيجراموس (شمسي غرام)، حكّام حمص آنذاك، بين السلطة السياسية والكهانة، وجعلت من الإله مصدرًا لشرعيتها. وتؤكّد العملات والنقوش من تلك الفترة أنّ عبادة إيلا غابال شكّلت عنصرًا مميّزًا لهوية المدينة، حتى في ظل السيطرة الرومانية.
بلغ الإله ذروة مجده مع الأسرة السيفيرية. فقد وُلدت جوليا دومنا، ابنة العائلة الكهنوتية الحمصية، وزوجة الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس، في حمص، ضمن النخبة المرتبطة بالمعبد. أما حفيد أختها، الكاهن الشاب إيلاغابالوس (Elagabalus)، فقد اعتلى عرش روما سنة 218م، حاملاً معه إله مدينته (اسمه الامبراطوري تحول الى ماركوس أوريليوس أنطونيوس ولكن يشار اليه في كتب التاريخ باسمه القديم ايلاغابالوس).
وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن الإمبراطور الشاب إله الشمس الحمصي إلهًا أعلى، متقدّمًا به على جوبيتر نفسه. فأُحضر الحجر الأسود إلى روما، وبُني له معبد خاص على تلّ البالاتين، وأُجبر الشيوخ الرومان على المشاركة في طقوس شرقية غريبة عن تقاليدهم.
كانت تلك اللحظة ذروة انتقال الإله: من معبدٍ مجهول الموقع في حمص، إلى قلب أعظم إمبراطورية في العالم القديم.
غير أنّ هذا الوضع لم يدم طويلًا. ففي سنة 222م، قُتل إيلاغابالوس، وسُحبت الرعاية الرسمية عن الإله. وهكذا أُعيد الحجر المقدّس إلى حمص، وتعرّض اسم الإمبراطور وسياساته إلى محوٍ متعمّد من الذاكرة الرسمية.
وكان ذلك آخر ذكرٍ كبير لإله الشمس الحمصي كقوة فاعلة في التاريخ السياسي.
ثم، بعد القرن الثالث الميلادي، تلاشت الإشارات إلى عبادته. ومع صعود المسيحية ثم الإسلام، اختفت الطقوس، وبقيت الذاكرة مبعثرة في كتب المؤرخين، وعلى بعض العملات، وفي اسم مدينة كانت يومًا مركزًا للشمس.

صورة المقال:
أوريوس ذهبي من عهد الإمبراطور إيلاغابالوس، يظهر على وجهه الخلفي حجر إله الشمس الحمصي محمولًا على عربة تجرّها أربعة أحصنة ونرى اسم الاله ايلاغابال مكتوباً تحت أرجل الأحصنة.
لمزيد من الموضوعات المشابهة يمكنك تصفح موقع المقتني العربي من خلال الرابط التالي:




