شحنة النقود المعدنية التي فقدتها مصر فى الحرب العالمية الاولي

شحنة النقود المعدنية التي فقدتها مصر فى الحرب العالمية الاولي

هل بالفعل فقدت مصر مقدار كبير من النقود المعدنية وخصوصا الفضية أثناء الحرب العالمية الاولى؟ وما نوع تلك النقود؟

يذكرالعديد من الباحثين انه تم فقد كمية كبيرة من عملات السلطان حسين كامل فى البحر اثناء الحرب العالمية الاولى ويفسرون بهذا نقص كميات محددة من القطع التى تم اصدارها عام 1916 للسلطان حسين كامل ولكن هل هذا صحيحا ام انه مجرد اشاعة؟ فى الحقيقة ان نصف المعلومة صحيحا ولكن النصف الاخر ليس كذلك وهذا ماسوف نقوم بسرده فى السطور التالية.

احداث موضوعنا اليوم تدور مابين عامي 1915 و 1916، وهي الفترة الانتقالية لمصر أثناء تحولها الى سلطنة غير تابعة للحكم العثماني تحت قيادة السلطان حسين كامل، ولكن على النقيض الاخر لاتزال احداث الحرب العالمية الاولي قائمة فى المنطقة ومصر كانت احد مناطق الدولة العثمانية التي تم فرض الحماية البريطانية المباشرة وعلى غرار ذلك ارسلت بريطانيا مجموعات مختلفة من الجنود التابعين لمستعمراتها من أستراليا ونيوزيلاندا والهند للاستقرار فى مصر كقاعدة عسكرية لتدريب الجنود للمعارك التي كانت قريبة.

وعلى الرغم من قرار وزير المالية عام 1914 بان تكون قيمة اوراق البنكنوت الصادرة من البنك الاهلى مساوية للقيمة الفعلية للنقود الذهبية ولكن ومع تدفق العديد من  الجنود الاجانب الى القطر المصري برزت الحاجة فى منتصف عام 1915 لارسال مقدار من العملات النقدية الفضية كي يتم إستخدامها من قبل الجنود فى التداول ولدفع رواتبهم، حينها ارسلت مصر بطلب للحكومة الانجليزية بسك مقدار من النقود الفضية للتعامل مع تلك الاحتياجات. وبالفعل تم ارسال العديد من الشحنات الى مصر على عدة مراحل حتى اتي ميعاد ارسال احد الشحنات فى شهر ديسيمبر والتىى كانت الحكومة البريطانية قد امرت بتنفيذها من فئات العشرون قرش والعشرة قروش والخمسة قروش وكان المقرر شحن تلك القطع على متن السفينة التجارية برشيا (بيرسيا) SS Persia , والان دعونا نكمل سرد الموضوع على هيئة تسلسل احداث:

17-04-1915_-_Copy.jpg

18 ديسيمبر 1915

في وقت الحرب في لندن ، كانت الموانئ باردة وقاتمة قبل أسبوع واحد من عيد الميلاد عندما أطلقت السفينة برشيا بوقها وانطلقت بعيدا عن الرصيف للإبحار في نهر التايمز في طريقها إلى الهند وكانت محطتها الأولى جبل طارق ، تليها مرسيليا ، حيث قضت عيد الميلاد. تركت مرسيليا في 26 ديسمبر وأبحرت إلى مالطا ثم اتجهت عبر الامتداد الواسع لشرق البحر الأبيض المتوسط متجهة نحو مدخل قناة السويس في بورسعيد.

وبعد قناة السويس ، كان عليها التوقف عند بورسعيد وعدن وكراتشي. كانت السفينة تحمل 184 راكباً و 3166 طناً من البضائع العامة – 549 طناً من الأسمنت ، و 100 طن من “كراسي” السكك الحديدية ، و 39 طناً من قضبان الحديد والطلاء ، و 750 طناً من المؤن ، والستائر والبضائع الفاخرة ، كتب وأدوية و 160 طناً من الأمتعة و 1577 طناً من رسائل البريد والأهم من ذلك هو شحنة النقود المرسلة الى الحكومة المصرية والتي كانت متواجدة فى خزينة السفينة بجوار مجوهرات احد المهراجا الهنود.

30 ديسيمبر 1915

وUntitled-1.jpgعلى بعد 115 كيلومترًا (71 ميلًا) جنوبًا شرقًا جنوبًا من كيب مارتيلو ، كريت وبدون اي سابق انذار انطلق احد الطوربيدات من الغواصة الالمانية U38 القابعة فى البحر الابيض المتوسط على السفينة برشيا والتى كانت تسير بسرعة 18 عقدة فى الساعة، وانفجرت غلاية المياه بعد خمس دقائق من الهجوم وغرقت بسرعة ، وأخذت معها 334 شخصًا من بين 501 شخصًا كانوا على متنها بالضافة الى الحمولة التي كانت عليها والمكونة من 7974 طنا.

تناقلت الصحف المصرية خبر غرق السفينة برشيا ولكن لم تفصح الحكومة المصرية عن حمولة النقود الفضية المرسلة مع الشحنة فى ذلك الوقت ولكن هرعت لمراسلة الحكومة البريطانية وذلك بإرسال تلغرافا للعمل على سك عملات اخري بما يعادل 15 الف جنيه وباسرع وقت ممكن لحل الازمة مع أستطلاع راي الحكومة البريطانية بوجه عام فى مسألة ضرب النقود.

16 فبراير 1916

كتاب مرسل من نائب الملك جورج الخامس فى ذلك الوقت/ السيد مكماهون الى السلطان حسين كامل يحثه فيها على ان يتم سك عملات لمصر ولكن ان يتم وضع طغراء السلطان حسين كامل بدلا من طغراء سلطان الدولة العثمانية والتى ظلت منقوشة حتى تلك اللحظه على النقود المصرية. كما اقترحت حكومة بريطانيا ان استعمال اللغة الانجليزية بجانب اللغة العربية لبيان قيمتها فضلا عما فيه من تسهيل تداولها فإنه يكون مظهرا للروابط الموجودة بين مصر وبريطانيا.

جزء من خطاب نائب ملك بريطانيا الى السلطان حسين كامل

21 فبراير 1916

إستلمت وزارة المالية عدد 84 صندوق من العملات الفضية بلغت زنتها 900 كيلوجراما ، وردت الى جمرك السويس ولم يفصح عن تلك النقود ولا سبب ورودها الى القطر المصري.

6 مارس 1916

أصدر السلطان حسين كامل مرسوما بإعطاء الروبية الهندية سعرا قانونيا مؤقتا والمتواجد منها كمية وفيرة فى خزنة وزارة المالية وذلك أن إرسال مقدار أخر من النقود المعدنية الى مصر قد يستغرق وقتا طويلا، وتم تحديد سعر الصرف الخاص بها ب 65 مليما من الجنية المصري. وعلى اثر ذلك وفى ال 7 من مارس أوضحت جديدة الاهرام ان مقدارا من النقود الفضية بما يعادل 30 الف جنيه أو يزيد قليلا كان مرسلا مع الباخرة برشيا وأوضحت الجريدة ان الحكومة المصرية كانت قد قامت بالتأمين على تلك العملات معادلا لقيمتها قبل شحنها وبذلك فإنها لم تخسر شيئا، كما تحققت الاهرام ان النقود التى تم استلامها انها “روبيات” مرسلة من بلاد الهند.

نستنتج من هذا ان العملات المعدنية التي فقدت هى عملات مصرية عثمانية كانت لاتزال بريطانيا تحتفظ بقوالب السك الخاصة بها وكان مخطط ان يعاد سكها واستخدامها فى مصر بشكل مؤقت ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، بالفعل قامت بريطانيا بسك عدد لاباس به من تلك العملات وجزء بسيط منها تم استلامة وفقد جزءا لايستهان به مع الباخرة برشيا ولم تكن تلك النقود المعدنية تخص العملة السلطانية المصرية حيث انها صدرت لاحقا بعد اكثر من 10 شهور من غرق السفينة.

د/مازن ابراهيم

المصادر:

مراسم وتشريعات النقد (مكتبة المقتني العربي) جريدة الأهرام من ديسيمبر 1915 حتى مارس 1916
thesinkingofthesspersia الارشيف الوطني البريطاني