ماهو قانون “جريشام” .. وكيف تطرد العملة السيئة نظيرتها الجيدة من السوق؟

في الواقع يوجد هناك قانون اقتصادي  يسمى “قانون جريشام”، والذي يمكن تلخيصه في العبارة التالية:

“النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من السوق”

ومن أجل فهم أفضل لهذا القانون وتطبيقاته الحالية، من المهم جدًا العودة إلى أصوله وظروف نشأته.

 

توماس جريشام

279715482_1154122172074222_6662413863325402532_n
صورة زيتية للسير توماس جريشام

ولد السير توماس في لندن، وهو من أسرة نورفولك العريقة وعاش بين عامي (1519-1579)، ولقد عمل مستشاراً اقتصادياً لدى ملك بريطانيا إدوارد السادس، وكذلك مستشاراً لدى أخته الملكة إليزابيث الأولى ملكة بريطانيا. كان عالماً وتاجراً واقتصاديًا ، وكان هذا العالم يشغل وظيفة وزير مالية مملكة إنجلترا في القرن السادس عشر، وكان قد ألقى على عاتق هذا العالم وضع العملة الإنجليزية على أسس وقواعد صحيحة وأسس لاحقا البورصة الملكية في لندن.

 

مفهوم القانون

قانون جريشام (يعرف بالانجليزية Gresham’s Law) هو مبدأ نقدي يتلخص جوهرة في أن العملات السيئة تطرد العملات الجيدة من السوق، ويُستخدم هذا القانون أساسًا في أسواق العملة. يستند هذا القانون -في الأصل- إلى التركيبة المعدنية للعملات المسكوكة وقيمة المعادن الثمينة المصنوعة منها، إذ ينص القانون على أن العملة الرديئة تطرد العملة الجدي الجيدة من التداول.

العملة الرديئة هي عملة قيمتها الحقيقية مساوية لقيمتها الاسمية أو تقل عنها، وفي المقابل، فإن العملة الجيدة عبارة عن عملة قيمتها الحقيقية أكبر من قيمتها الاسمية أو احتمالية ذلك كبيرة ،ولأن قيمة المعدن في العملات القديمة (النقود الجيدة) أعلى من العملات الجديدة (النقود الرديئة)؛ فإن الناس يملكون حافزًا واضحًا لتفضيل العملات القديمة المكونة من كمية معادن ثمينة حقيقية أكبر، منطقيًا، الناس سوف يختارون العملة الرديئة لإنجاز الأعمال التجارية، وسيدخرون المال الجيد؛ لأن قيمته الحقيقية أكبر من قيمته الاسمية غالبًا.

أصل القانون

1280px-Hans_Holbein_d._J._048 (Small)
صورة زيتية للملك هنري الثامن

إتبع الملك هنري الثامن سياسة لخفض قيمة العملة تم تقديمها في إنجلترا عام 1544 حيث شهدت انخفاض كمية المعادن الثمينة في العملات الذهبية والفضية واستبدالها بالكامل في بعض الحالات بمعادن أساسية أرخص مثل النحاس.

تم الاستشهاد بالإنفاق الزائد من قبل هنري الثامن لدفع ثمن أسلوب حياته الفخم ولتمويل الحروب الخارجية مع فرنسا واسكتلندا كأسباب لتقديم السياسة. وكان الهدف الرئيسي لهذه السياسة هو زيادة إيرادات انجلترا على حساب دافعي الضرائب من خلال توفير في إنتاج العملات مع الحاجة إلى عدد أقل من السبائك لسك عملات معدنية جديدة. أثناء انخفاض قيمة الذهب ، انخفضت معايير الذهب من المعيار السابق البالغ 22 قيراطًا إلى 20 قيراطًا بينما انخفضت الفضة من 92.5٪ الفضة الإسترليني إلى 25٪ فقط.. ولقد كان لعملة الشلن الإنجليزي المعدني اكبر وقع فى حركة الأسواق حيث انها كانت اكثر انتشارا بين العامة.

أوضحت مشاورات جريشام مع الملكة اليزابيث الأولي أن الناس علموا بذلك التغيير وبدؤوا بفرز عملة الشلن الإنجليزي المعدني بناءً على تاريخ إصدارها بهدف جمع العملات المصنَّعة من كمية فضة أكثر، ثم قاموا بصهرها وبيعها بقيمة أكبر؛ إذ إن قيمة معدن الفضة الخام أعلى من قيمته مسكوكًا، وبهذا لاحظ جريشام أن المال السيئ يطرد المال الجيد خارج التداول.

لوحظت هذه الظاهرة سابقًا وكُتبت عنها في اليونان القديمة وأوروبا في العصور الوسطى. وقد سبقه المؤرخ المقريزي  إلى اكتشاف هذا القانون بنحو قرنٍ ونصف القرن وتحدث عنه في رسالته «إغاثة الأمة في كشف الغمة». ولكنها لم تُعط الاسم الرسمي “قانون جريشام” حتى منتصف القرن التاسع عشر ، عندما نسبها الاقتصادي الاسكتلندي هنري دانينج ماكلويد إلى جريشام.

 

1012_903
شلن للملك هنري الثامن

قانون جريشام والعملات العربية

لعل اهم واحدة من تلك الأمثلة المعاصرة فى تاريخ الدول العربية هو القرشين المصرية الفضه والتي تم سكها في عهد الملك فاروق، بدأ نقص معدن الفضة فى الحرب العالمية الثانية ومع إزدياد حركة التداول بين الجنود المقيمين فى مصر وازداد الطلب على العملات المعدنية الصغيرة مما نتج عنه أزمة الفكة الشهيرة في عام 1941، وبين عامي 1942 و1944 وبسبب استمرار الحرب العالمية الثانية، إرتفعت معدلات التداول النقدي مما ترتب عليه ضرورة زيادة الانواع المختلفة من العملة الصغيرة ومنها النيكل والبرونز وسعت وزارة المالية المصرية فى سك كميات من هذه الانواع فى مدة الحرب.

Egypt 2 piastres 1942

ثم لجأت مصر الي سك نقود من فئة القرشين فى عام 1942 لسد إحتياجات النقد ولتوفير العملة الصغيرة للمساعدة فى عملية الاستبدال النقدي فى الاسواق ولكن بسبب إرتفاع ثمن الفضة الموجودة بالعملة التي تم إصدارها عام 1942 بدرجة جعلت قيمة الفضة المجود بها بالعيار التي كانت عليه تفوق القيمة الإسمية للعملة، الأمر الذي حث جمهور كبير من المصريين على إكتناز العملات الفضية أو صهرها للإستفادة بفرق سعر الفضة بها وعلى الرغم من وجود امر عسكري يجرم بيع الفضة المتداولة قانونا فى مصر بسعر يختلف عن قيمتها الاسمية ويمنع صهرها الا انه استمر عدد من المواطنين على فعل ذلك مما جعل وزارة المالية تقر انه من الأنسب خفض عيار الفضة فى القطع الفضية من فئة القرشين.

Ahram 16-11-1944 (Small)

 

وبالفعل اتخذت وزارة المالية إجراءاتها اللازمة وتفاوضت مع دار السك فى بريتوريا بجنوب افريقيا للشروع فى سك قطع فضية من عيار مختلف وتم تعديل احكام قانون 25 لسنة 1916 بناء على موافقة مجلس الوزراء فى نوفمبر 1944 بسك عملات من فئة قرشين بعيار 50% (500 جزء من الألف من الفضة ) بدلا من 833 جزء من الفضة.

egypt_2_piastres_1944

 

سرعان ماتهافت المواطنون على إستخدام تلك النقود الجديدة للتعاملات اليومية مع حبس وإكتناز النقود القديمة وذلك لارتفاع قيمتها مما فعل تطبيق قانون جريشام وبدا جزء من المواطنين بتهريب تلك العملات والسبائك التي تم استنتاجها من تلك العملات الى خارج البلاد فأقبل بعض الأيطاليين واليوناييون على تهريب بعضها الى السودان حتي بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية فى عام 1945 فلم ينمع ذلك من عملية تهريب العملات من الفضة القديمة.

واجهت الحكومة المصرية هذا الامر بإصدار قانون رقم 80 لعام 1947 بتنظيم الرقابة على عمليات النقد وعليه فلقد تم حظر سفر الاشخاص خارج الاراضي المصرية وان ياخذوا معهم النقود والسبائك المعدنية الثمينة بغير ترخيص سابق من وزارة المالية ، وفى عام 1948 تم إصدار امر رقم 25 يحظر به إرسال النقود الى السودان.

فئة القرشين المصرية وقانون جريشام
فئة القرشين المصرية وقانون جريشام

أمثلة من دول اخري

تم تداول العملات الفضية على نطاق واسع في كندا (حتى عام 1968) وفي الولايات المتحدة (حتى عام 1964 للدايمات والأرباع و 1970 مقابل نصف دولار) عندما تم تمرير قانون العملات لعام 1965. قللت هذه الدول من قيمة عملاتها من خلال التحول إلى معادن أرخص ، وبالتالي اختفت العملات الفضية من التداول حيث احتفظ بها المواطنون لزيادة محتواها المعدني على العملات المعدنية الحديثة وبالتالي التي تم تخفيض قيمتها ، وذلك باستخدام العملات المعدنية الأحدث في المعاملات اليومية. 

غيرت حكومة الولايات المتحدة تكوين البنس ليصبح محتواه من الزنك 97.5% -في عام 1982- مقابل تخفيض نسبة النحاس، أدى هذا التغيير إلى ارتفاع القيمة الحقيقية للبنسات المسكوكة قبل عام 1982، مقابل البنسات المسكوكة بعد ذلك العام.

حدث نفس الشيء  مع المحتوى النحاسي للعملات المعدنية مثل البنس الكندي قبل عام 1997 ، والبنسات البرونزية في المملكة المتحدة قبل عام 1992 ، واثنين من بنس. كما حدث هذا أيضًا حتى مع العملات المعدنية المصنوعة من معادن أقل تكلفة مثل الفولاذ في الهند.

أسس النظرية لدى المقريزي

يشير العديد من الخبراء إلى أن الواضع الحقيقي لأسس النظرية التي باتت تعرف بـ”قانون جريشام” هو العلامة المؤرخ أحمد بن علي المقريزي من مواليد عام 1364 ميلادية، وتوفي عام 1441، وقد ولد في مدينة بعلبك التي تقع اليوم في لبنان وعاش حياته في القاهرة بمصر، مؤلفا العديد من الكتب المعروفة في مختلف المواضيع، لعل من أبرزها كتاب “شذور العقود في ذكر النقود” الضي خصصه لبحث المشاكل الاقتصادية بذلك الوقت.

ومن بين الملاحظات التي لفت إليها المقريزي دراسته للعلاقة بين الأسعار ومستويات السيولة في السوق، كما توصل إلى وضع أسس لقانون اقتصادي يشير إلى أن “النقود الرديئة” أي المصنوعة من المعادن الزهيدة التكلفة، مثل النحاس والحديد، تطرد النقود المسكوكة من المعادن النفيسة، مثل الذهب والفضة.

ويعيد المقريزي السبب إلى أن طرح النقود المعدنية يرفع من الأسعار الفعلية للذهب والفضة بما يفوق أسعار الصرف المحددة، ما يدفع الناس إلى تخزينهما والاكتفاء بالتبادل التجاري بالمعادن الرخيصة

ملحوظة: تقل أهمية قانون جريشام إطار نظام النقود الورقية، لأنها على عكس النقود المعدنية، لا يمكن إذابتها وتصديرها للخارج أو بيعها بالوزن، ولذلك تنحصر تطبيقات قانون “جريشام” بشكل ما في ظل النظم النقدية الحديثة.

 

د.مازن أبراهيم

المصادر:

موسوعة وكتالوج العملات المصرية – العملات المعدنية – مهندس: مجدي حنفي

أرشيف جريدة الاهرام المصرية الالكتروني

تشريعات النقد العربية (مصر) – المقتني العربي

ويكيبيديا

لمتابعة مزيد من المواضيع المشابهة على المقتني العربي يمكنك متابعة الرابط التالي:

قرشان 1942 … خدعوك فقالوا