Select Page

الجنيهات الذهبية تختفي!

الجنيهات الذهبية تختفي!

كانت مصر حتي سنة ١٩١٤ تتجاهل التعامل بورق النقد (البنكنوت) الذي يصدره البنك الأهلي، فكان مرتب الموظف والمستخدم والعامل يدفع ذهبا، وكان الناس يحملون في جيوبهم الجنيهات الذهبية ويتحلون بها.ولما نشبت الحرب العالمية الأولي، احتاجت الدول المتحاربة الي الذهب لدفع مشترياتها، فاستولت مصارفها وخزائنها علي جميع النقود الذهبية وابدلتها بورق النقد. فارتفع سعر الذهب حتي ان الحكومة المصرية رأت ان تقتفي آثار الحكومات الاخري وكانت الحاجة الي هذا المعدن عند نشوب الحرب ماسة لسببين: حلول موسم القطن ودفع ثمن المحصول، ثم ضرورة الاكثار من الذهب لاستيفاء جميع الطلبات. لذلك صدر امر في ٢ اغسطس عام ١٩١٤ بوقف دفع قيمة البنكنوت ذهبا.

وكان الجمهور غير مرتاح لهذا القرار، واضطرت الحكومة الي ان ترسل في سنة ١٩١٥ تعليمات جديدة مشددة “الي فروع الخزينة السلطانية والاقاليم بوجوب الاحتفاظ بما تقبضه من العملة الذهبية وتوريد كل ما يجتمع لديها منها الي الخزينة العامة، وان تقتصر في معاملتها مع الجمهور والدوائر الرسمية علي صرف النقود الفضية والبنكنوت”ولاحظت جريدة “الاهرام” بهذه المناسبة “ان الجمهور في القطر المصري لم يكن معتادا علي حمل البنكنوت وخزنه في محل الذهب في اوائل الازمة الحاضرة. فكان اكثر الناس حتي في البيوت المالية، يفضلون الجنية الذهبي علي الورقة التي بقيمته والذي يصل الذهب الي يدة كان يستبقيه فيها، فلا يعود يصرفه الا عند الضرورة القصوي. اما الان (في عام ١٩٥٠) فقد قل الولع بالذهب.”

وقد قاسى الشعب من تداول هذه الاوراق فلم يكن معتادا عليه ان يستبدل العملة التي كان يستعملها هو وآباؤه واجداده بعملة اخرى وكثرت الحوادث التي دلت على جهل المصريين لاستعمال هذه العملة فلم يكن المصري يتصور كيف اختفى الجنيه الذهب من جيبه وحل مكانه قطعة من الورق فاعتبر ان الدنيا قلت خيراتها باختفاء الذهب من يده وبغلاء الاسعار، فالمصريون جميعا لا يودون التعامل بالورق حتى المتمدنين لا يثق الا بالذهب والفضة فما بال الفلاح القروي الذي لم ير في مدة حياته هذا الورق، واذا قيل له ان “الفلوس ابدلت بالورق سخر من قائله وضحك ولا يمكن ان يصدقه” وراحت الحكومة تسن قوانين العقوبات لمن لا يقبل التعامل بهذا الورق.

وتعددت الحوادث وامتلأت بها صحافة الفترة اذ قد حدثت ان ثلاثة اشخاص قطعوا ورقة بنكنوت ذات عشرة جنيهات الى ثلاثة قطع متساوية لكل واحد منهم قطعة! وصحف اخري كتبت: “ان اوراق البنكنوت كثرت ويرى الجمهور مصاعب في صرفها ومنهم من قبل عشرة قروش فضية بدلا من ورقة ذات خمسة جنيهات”. وتذكر الاهرام: “ان الحمار اكل رغيف صاحبه وكان في الرغيف ورقة بعشرة جنيهات، وقالوا ان رجلا وضع الورقة ثمن محصول القطن الى جانبه فاخذتها امرأته واحرقتها تحت ابريق الشاي، وحدث ان وجدت امرأة تحت وسادة زوجها ورقة نقدية فاعتقدت ان احدا يسحر لها ليبعد عنها زوجها فاخذتها وحرقتها ورمتها في الترعة”!

بينما اشتد الاقبال على الفضة مما ادى الى ندرة هذه العملة الصغيرة، فتقول الاهرام: “اما الازمة الفضية فيشكو من اشتدادها الخاص والعام في هذه الايام وكثير من التجار يحرمون من اشياء كثيرة لعدم وجود نقود فضية عندهم لاكمال مايدفع لهم من الاوراق، فاذا اشترى المشتري بضاعة بثلاثين قرشا واعطى التاجر ورقة بقيمة خمسين قرشا لا يجد التاجر في خزنته عشرين قرشا فضية لتسوية الحساب فيضطر الى استرداد المبيع”.وقد حدث مثل هذا للنقود الفضية اثناء الحرب العالمية الثانية، فقد اختزنها الناس ظنا ان قيمة الفضة تزد عن قيمة الورقة، او عن قيمة النقود البرونزية، فاضطرت الحكومة ان تعاقب المختزنين!

المصادر: اعداد متنوعة من جريدة الاهرام المصرية

محب رزق الله