أحمد عبد الله – باحث في تاريخ مصر المعاصر

عرفت مصر مع زيادة توافد وهجرة الأجانب إليها منذ بداية القرن التاسع عشر الكثير من أنماط ومظاهر التحديث الغريبة فضلاً عن صور مختلفة من الممارسات التي جاء بها هؤلاء لمصر، مثل أرتداء الزي الأوروبي من جانب الطبقة التي ازدادت إتساعاً وهي طبقة الأفندية فضلاً عن إصطناع أشكال الحياة الغربية في الأثاث والمأكل والملبس مما خلق سوقاً رائجة لكل هذه الأدوات، ولم تقف مظاهر الحياة الغربية الوافدة عند هذا الحد بل تطورت سريعاً لتشهد المزيد من الصور ومنها طباعة وبيع أوراق اليانصيب التي أدخلها بعض أبناء الجالية اليونانية لمصر مع نهاية القرن التاسع عشر بعدما وجدوا فيها سوقاً رائجة لهم، ويشار إلي أن ظاهرة أوراق اليانصيب بدأت في أوروبا منذ القرن الثامن عشر التي أنتشرت منذ ذاك الوقت بشكل سريع حيث خاطبت أحلام أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة وسعت الجهات القائمة علىها في ذاك الوقت لجني الأرباح الطائلة من بيع تلك الأوراق التي انتقلت بسرعة البرق إلي دولاً أخرى قادمة مع الأجانب الذين وفدوا لهذه الدول على أثر الحروب والصراعات التي بدأت تلاحقهم داخل أوطانهم.

وما أن بدأ اليونانيين فى ترويج تلك الأوراق في القاهرة والأسكندرية حتى سرعاً ما أن وجد أفراد الجاليات الأجنبية والطوائف غير المسلمة فرصة لهم في زيادة دخلهم عبر ترويج مثل هذه الأوراق، وكان على رأس تلك الطوائف، الطائفة اليهودية التى بدأت مع تأسيس مدرسة طائفة اليهود القرائين عام 1897م في تأسيس مؤسسة يانصيب عام 1899 أمتلك مطبعة كاملة لطبع أوراق اليانصيب ووصلت كمية الأوراق المطبوعة شهرياً من خلال تلك المؤسسة إلى 40 الف ورقة حققت من ورائها الطائفة أرباحاً مالية وصلت لأكثر من 30 ألف جنية شهرياً وهو مبلغ كبير جداً فى ذاك الوقت.

ظاهرة طائفية:

مع تنامى تلك الظاهرة التى بدأت تأخذ شكلاً طائفياً يدر المكاسب الوفيرة على طائفة بعينها، وجد وزير الداخلية فى مصر عام 1903 أنه لا مفر من منع تلك الأوراق وحظر تداولها إلا بموافقة الحكومة المصرية التى نجحت في أجبار الطائفة اليهودية وغيرها من الطوائف التى تقوم بطباعة تلك الأوراق وتوزيعها على الأنصياع للأوامر وحصر نشاط توزيع تلك الأوراق في نطاق الجمعيات الخيرية، وفى عام 1928م عرضت جمعية الأسعاف المصرية التى كانت تعمل تحت إشراف الأسرة الملكية مشروعاً جديداً يقضي بضرورة قيام الجهات المشتغلة باليانصيب بتكوين اتحاد يكون مسئولاً عن طبع وبيع تلك التذاكر ووجدت الطائفة اليهودية ذاتها مضطرة للإنضمام لهذا الأتحاد حيث كانت تباع الأوراق ويجري توزيع أرباحها بين الطوائف المختلفة وفقاً لعدد التذاكر المباعة والنسبة المتفق عليها، وبعد أن كانت الطائفة تدر أرباحاً وفيرة من تلك الأوراق أنخفضت المكاسب إلى 800 جنية فقط في العام وشيء فشيء بدأت الطائفة وغيرها من الطوائف غير الإسلامية في فقد حصتها فى أرباح اليانصيب لأسباب فسرها البعض بأنها أسباب سياسية ودينية.

وعلى الرغم من هذا التراجع تظهر أوراق اليانصيب المتاح بعضها الآن والتي يمتلكها بعض الهواة أن النصيب مؤسسات خيرية طائفية أصدرت كميات وفيرة من تلك الأوراق ومنها جمعيات ومؤسسات يهودية منها إتحاد الإنقاذ الإسرائيلي ومقره محرم بك بالأسكندرية وكتبت أوراقها بالعبرية والفرنسية وصدرت حتي عام 1940، كما صدرت أوراق يانصيب عن ملجأ الأيتام الماسوني بالأسكندرية أحدى المؤسسات الخيرية التابعة للمحفل الماسوني بمصر وجرى السحب بمراقبة وزارة الداخلية المصرية، كما صدرت أوراق عن ملجاء العجزة الإسرائيليين “لافويية” بتصريح من وزارة الداخلية في أبريل 1953 وكان ثمن الورقة جنية مصري واحد، كما تظهر أسماء مؤسسات طائفية أخرى منها جمعية الكلدان الكاثوليك الخيرية بمصر التى قامت بإصدار أوراق يانصيب جرى توزيعها عام 1936 وقيمتها قرش صاغ واحد وكتبت بثلاث لغات مختلفة هى العربية والفرنسية واليونانية، كما كان من اللافت هو زيادة توزيع أوراق اليانصيب الصادرة عن اليانصيب المتحد للجمعيات الخيرية الإسلامية صدرت عام 1936، وجرى توزيع أرباحها مناصفة بين عدة مؤسسات خيرية إسلامية منها مؤسسة مساعدة المدرسة الفاروقية البحرية التابعة لجمعية المواساة الإسلامية بالقاهرة وكذلك ملجئ جمعية المواساة الإسلامية بالقاهرة ومعهد الموسيقي الشرقي بالقاهرة وملجئ الحرية بالقاهرة وملجئ ومصنع أبناء السبيل بالقاهرة وكان ثمن الورقة الواحدة قرش صاغ واحد.

كما تظهر مجموعة أوراق أخرى صدرت في الفترة الممتدة بين الأربعينات والستينات من القرن الماضي أن ظاهرة رعاية المؤسسات الطائفية لتلك الأوراق وتوزيعها أستمر بشكل لافت، إذ صدرت أوراق عن جمعية الصندوق الأرمني الأهلى كما صدرت عن بعض الجمعيات والمؤسسات الإسلامية أوراق يانصيب منها أوراق صادرة عن جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة، وكذلك الجمعية القبطية الكاثوليكية بالإسكندرية، وجمعية الهلال الأحمر المصري بالأسكندرية، وكذلك الجمعية اليونانية اشيلا ريون بالإسكندرية، ومع بداية حقبة الستينات تحول اليانصيب من مجرد تجارة عادية إلى تجارة لها عدد من المكاتب فى مختلف المحافظات، إذ قامت وزارة الشئون الاجتماعية المصرية عام 1967 بإنشاء رابطة لبائعى اليانصيب كجمعية مركزية ذات نفع عام وفقًا لأحكام القانون رقم 32 لسنة 64 بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة.

وتظهر بعض الوثائق الخاصة بالطائفة اليهودية في مصر أن بيع تلك الأوراق لم يكن قاصراً على اليهود فقط ولكنها ربما كانت هدفاً لمداعبة أحلام الفقراء والبسطاء في الكثير من أحياء القاهرة الفقيرة، إذ تشير بعضها إلي فوز مسلمين وأرمن واقباط بجوائر اليانصيب ومن بينهم مواطنين من سكان السيدة زينب وبين الصورين والعتبة وحارة اليهود وغيرها من أحياء الفقراء والعوام، وظل هذا الأمر قائماً لفترة طويلة خاصة مع الإعلان عن جوائز مالية كبيرة لم تقتصر على مكاسب بالجنية المصري فقط بل على جوائز بالفرنك الفرنسي والبنتو الإيطالي، حسبما تؤكد تلك الوثائق.

ظاهرة لغوية

كما يشار كذلك إلي أن أوراق اليانصيب عرفها العوام من الشعب بأسماء متعددة جذبت إنتباههم ودفعتهم نحوها بشدة إذ أطلق عليها البعض أسم “البريمو” وهي كلمة إيطالية primo وهي من أصل لاتينى، وتعنى “الأول” وكانت كغيرها من الكلمات الإيطالية التي وجدت طريقها نحو العامية المصرية، كما عرفت بأسم “التمبولا” tombola وهي كلمة فرنسية دخلت العامية المصرية مع زيادة توافد الفرنسيين على مصر ، ثم شاع بين المصريين أستخدم كلمة “يا نصيب” التي سبقها أستخدم كلمة “نصيب” وسبقها كلمة “يا” النداء ربما كخطاب لطلب الفوز بالمال.

ظاهرة سينمائية

ظاهرة أوراق اليانصيب التي ظلت رائجة لفترة طويلة أمتدت لعقود طويلة حظيت هي الأخرى بنصيب وافر من الأهتمام من قبل السينما المصرية التي عبرت عنها وسطلت عليها الضوء بأعتبارها ظاهرة عامة في ذاك الوقت كانت سبباً في أغواء العوام من المصريين الحالمين بالثراء السريع والمكسب الوفير، بدأت السينما المصرية في الأهتمام بها من خلال فيلم “المندوبان” الذي أخرجه “توجو مزراحي” ولعب دور البطولة فيه الممثل اليهودي “شالوم” الذي ظهر في الفيلم بأسمه الحقيقي مثل باقي الأفلام التي قام بأداء دور البطولة فيها وجري إنتاج هذا الفيلم عام 1934، ثم فيلم “البريمو” عام 1947 وأخرجه كامل التلمساني ولعب فيه دور البطولة الفنان الراحل” محمود شكوكو” والفنانة اليهودية “جراسيا قاصين”، كما جري إنتاج فيلم “أبو حلموس” ولعب دور البطولة فيه الفنان الراحل نجيب الريحاني، وفى العام ذاته جرى انتاج فيلم بياعة اليانصيب والذي تقاسم فيه دور البطولة كلاً من الفنان إسماعيل ياسين والفنان محمود شكوكو، وتراوحت تلك الأفلام بين الحديث عن أثر أوراق اليانصيب في مدعبة أحلام الفقراء والبسطاء وسعيهم وراء الثراء وبين النفاق الأجتماعي الذي يطرأ فجأة على البعض إذا ما رزق أحدهم بمال وفير، ويظهر هذا الكم من الأفلام أن ظاهرة أوراق اليانصيب كانت بمثابة الحلم في ذاك الوقت الذي طالما سعي إليه الكثيرون، وبطبيعة الحال لعبت تلك الأفلام دوراً في الترويج لتلك الظاهرة وإستشرائها في المجتمع المصري الذي عاني معظم أبناءه في ذاك الوقت من أزمات مادية دفعته للبحث عن أحلام الثراء السريع.

السمات الفنية

وتظهر أوراق اليانصيب المتداولة بين الهواة بعض الملامح والخصائص الفنية التي ميزت تلك الأوراق وظلت لفترة طويلة تحمل السمات الأوروبية سواء من حيث مضاهة أشكال الأوراق الصادرة في اوروبا أو من خلال إدخال بعض العناصر الجمالية عليها مثل الرسومات الفنية التي أنتشرت في ذاك الوقت مثل صور الألهة اليونانية وكذلك رسومات لبعض الرموز التاريخية المصرية مثل أبو الهول والأهرامات والمعابد القديمة، فضلاً عن بعض الرسوم المميزة للماسونية، كما تميزت تلك الأوراق بجمال الألوان ودقة الطباعة وجعلها مميزة تلفت نظر المارة حيث كانت تباع على أرصفة الشوارع الرئيسية في القاهرة والأسكندرية وسائر المحافظات المصرية.

ويمكن القول بأن تنامي تلك الظاهرة داخل المجتمع المصري ربما يرجع في المقام الأول لأسباب أقتصادية خاصة مع إستشراء الفقر بين الكثير من المصريين الذين دفعتهم الظروف المادية للبحث عن أي فرصة لتحقيق ولو جزء يسير من الثراء من خلال شراء تلك الأوراق ويمكن كذلك القول أن سيطرة بعض الطوائف الدينية على تلك الظاهرة جاء لأسباب تحريم التعامل بها وتحريم تداولها أو شرائها لأنها تندرج ضمن ألعاب القمار المحرمة شرعاً، وهو ما دفع بعض الطوائف لإستغلال ذلك التحريم في زيادة نشاطهم والسيطرة على عقول الفقراء ومدعبة أحلامهم، كما تسلط الضوء على ظاهرة حقيقية مفادها أن المال يكسر كل القيود ويحطم كافة الحواجز ويدفع الطامحين لفعل أي شيء حتي لو كان من خلال تجاوز المحرمات وغض الطرف عنها وهو الأمر الذي ربما كان مقدمة للتقنين أوضاع تلك الأوراق فيما بعد ومنحها غطاء من الشرعية.

ظاهرة بين الهواة

وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن كامل على صدور تلك الأوراق في مصر وإندثارها شيء فشيء لكنها مازلت مسار أهتمام الكثير من هواة أقتناء الأوراق القديمة المتميزة سواء داخل مصر أو خارجها، حيث تباع حتي الآن وتتداول بكثرة عبر أهم مواقع العالمية للبيع الإلكتروني ويباع بعضها بمبالغ مالية كبيرة خاصة تلك التي تعود لبعض الطوائف الدينية في مصر مثل الطائفة اليهودية وكذلك أوراق اليانصيب الصادرة عن بعض الجمعيات اليونانية والأرمنية وغيرها، كما تخصص صالات العرض العالمية المعروفة مزادات لبيع مجموعات كاملة منها، حيث تظل محط أهتمام الهواة والباحثين والخبراء.

وتظل تلك الأوراق وأن تلاشت وأختفت ظاهرة جديرة بالأهتمام خاصة أنها تحمل في طياتها سمات وملامح المجتمع المصري الذي عرف التنوع والتعدد الديني والثقافي والطائفي وكانت شاهداً عليه طوال قرن كامل من الزمان.