ماهي العملات المصرية التي لم تصدر فى عام 1938 ولماذا كانت هناك حالة من التخبط السياسي والاقتصادي فى هذه الفترة؟

القاهرة – فبراير عام 1937

Al Ahram 1938.01.21 04 - Copy (Small)حيث بداية قصتنا، حينها اعلنت وزارة المالية عن سك النقود بإسم حضرة صاحب الجلالة فاروق الأول وابالغ النبأ الى الديوان العالي الملكي تمهيدا للترخيص لمندوب دار الضرب ببرمنجهام بالتشرف للمثول بين يدي جلالته لاخذ صورة فوتوغرافية المطلوبة واعداد النموذج المجسم الازم لقوالب السك.

وطلب فى الوقت نفسه الي مصلحة المساحة اعداد تصميمات للكتابة العربية التي تظهر على العملة المختلفة تمهيدا لارسالها الى الدار فى اقرب فرصه، وان النيه متجهة على تداول العملة الجديدة اثناء تولي جلالته العرش رسميا.

لم يكن هذا بالأمر اليسير، فالحكومة المصرية كانت في حالة من التخبط حالت مع امكانية سك 5000 قطعة من العملات الذهبية لتوزيع الهدايا منها اثناء احتفالية تولي الملك فاروق العرش فى 29 يوليو عام 1937وتم الترتيب للاستعاضه عنها بتوزيع النقود الفضية التي تم سكها مسبقا.وعلى الجانب الاخر كانت مصر مقبلة على حدث هام مع بداية العام الميلادي الجديد وهو الزواج الأسطوري للملك فاروق والملكة فريدة يستحق ان يتم تداول قطع نقدية تليق بهذا الحدث. 

بدات بالفعل مصلحة المساحة المصرية بإعداد رسوم العملات المصرية ولكنه بدا وانه هناك خلاف فني بينها وبين وزارة المالية اتجلي فى احد المنشورات بجريدة الاهرام حيث اوضحت وزارة المالية الي الديوان الملكي ملاحظتها ان القوالب التي تقوم بعملها مصلحة المساحة لاتروق فى نظرها الى الحد المطلوب ولهذا عرضت المالية على دار السك في بريطانيا ان تقوم بعملها وعززت وزارة المالية خطابها بان دار السك قد لاحظت ان كثرة التداول يؤدي الي تاكل القطع النقدية من وسطها فاقترحت رفع الحافة حول القطعة لكي تحفظ القلب من الضياع.

من خلال تصفحنا لبعض مستندات دار السك وتحليل بعض المنشورات الخاصة بكل من الوقائع المصرية وجريدة الأهرام رصدنا حالة من الجدل حول بعض إصدارات القطع النقدية حيث تم الغاء فكرة إصداربعضها  ومن ناحية اخري تم أكتشاف تعديل خطة السك تارة ورفع طلب خاص لدار السك تارة اخري مما نشأ عنه إصدار قطعة اخري لم تكن تخطط لها دار السك اثناء اعداد قوالب السك لعملات مصر، مما أطلق لنا العنان لتخيل وجود هذه القطع لو انه تم سكها أو حتى إن وجد لها قطع تجريبية فى المستقبل.

 

 

 

فئة 2.5 مليم (كوبر نيكل)

بدأت الترتيبات لعمل قطع من الفئات الصغيرة من معادن النيكل والبرونز للمملكة المصرية بعد الإنتهاء من سكل القطع الفضية فى عام 1937 وذلك بعد ان تقدمت نظارة المالية الخاصة بالحكومة المصرية بطلب لدار السك ببرمنجهام يوم ٨ نوفمبر وطلبت ان يكون مطبوع عليها صورة الملك كما هو على العملات الفضية.

لم يتم توضيح الفئات المطلوبة تحديدا من الحكومة المصرية وعليه فقد افترضت دار السك انها سوف تقوم بعمل قطع مشابهة للحجم والشكل لقطع الملك فؤاد وتم عمل مسودة يوم 11 نوفمبر عام 1937 بالفئات التالية

من معدن الكوبرنيكل:  10 مليم ، 5 مليم ، 2.5 مليم (مضلعة) ، 2 مليم

من معدن البرونز: 1 مليم و 1/2 مليم

MINT_20_1659_2 (Small)

 

Law-58-1938-01
جزء من نص التشريع رقم 58 لعام 1938 – مذكور فيه فئة ال 2.5مليم

لم تؤكد الحكومة المصرية اي تفاصيل بخصوص الفئات الاربعة من معدن الكوبر نيكل وتم ابراق رسالة من قبل دار السك الملكية موجها الي نظارة المالية المصرية لتأكيد الفئات والاحجام وما اذا كانوا سوف يقومون بارسال تفاصيل اكثر عن وجهه العملة.

تم الرد عليهم بتأكيد ثلاثة فئات فقط من الكوبر نيكل وفئتين البرونز وانه سوف يتم توريد تصميم الوجة من الحكومة المصرية، وعلى الرغم من ذلك فلقد كان من الواضح التأخير المتعمد للحكومة المصرية فى البت فى الموافقة على إصدار الفئات الصغيرة وعلى ارسال الرسومات للوجة من قبل مصلحة المساحة المصرية.

فيبدوا ذلك جليا فى احد المراسلات التى قامت دار السك في برمنجهام الى دار السك الملكية  فى 16 مايو 1938 – اي بعد 6 أشهر من بداية التواصل مع مصر بشأن هذا الاصدار – من السيد برازنر الي السيد بيري ونصها:

” عزيزي بيري ،
لم نسمع أي كلمة من الحكومة المصرية حول التصميم الجديد للعملة الذي وضعوه معنا ، أنا أتساءل عما إن سمعت أي شيء في الرويال منت ،
إذا كان ذلك فسوف اكون سعيدا ان ترسل لي خطاباً
أنا على ثقة من أنك بصحة جيدة “

تلقي السيد برازنر خطابا فى اليوم التالي موضحا فيه انه لم تصل اليه اخبارا عن تصميمات الوجه من الحكومة المصرية منذ انوفمبر الماضي، وأنه لا يمكنه البدء فى تصنيع العملات الا بعد استلام التصميمات.

وتم ارسال التصميمات من الحكومة المصرية لاحقا في يونيو، ولم يوضع تصميم لقطعة الأثنين ونصف مليم ولم نجد تفسيرا لإلغاء هذه القطعهة من خلال المراسلات بين الحكومة المصرية ودار السك الملكية البريطانية ولكن بالرجوع الي كتاب النقود للسيد حسين عبد الرحمن تم إيضاح ان سبب إصدار قطعة الاثنين ونصف مليم فى عام 1933 فى بادئ الأمر فى عصر الملك الراحل فؤاد الأول كان راجعا للقانون رقم 64 بسك عشرة الاف قطعة من عملة نيكل من قطع الاثنين ونصف مليم كرغبة من الغرفة التجارية ولأحوال التجارة والمعاملات ، ولكنه اوضح فى اخر النص ان القطع ليست متداولة كثيرا لعدم الإقبال عليها لوجود قطع المليمين ونصف المليم بالاسواق.

وأغلب الظن انه لم يكن حاجة لإصدارها نظرا لوفرة القطع من الفئات المعادلة ولكن على الرغم من ذلك فلقد تم ذكر فئة المليمين ونصف فى القانون رقم 58 لسنة 1938 والخاص بتعديل النقود فى البلاد.

egypt-2-1-2-milliemes-1938 (Small) (1)
صورة تخيلية من انتاج المقتني العربي لتصميم الاثنين ونصف مليم لعام 1938 فى حال صدورة

1 مليم الكوبر نيكل المثقوب والغير مثقوب

ارسلت الحكومة المصرية تصميمات الوجه فى 25 من يونيو عام 1938 والت تمت صياغتها من قبل مصلة المساحة المصرية وكانت المفاجىة ظهور تصميم لقطعة من فئة المليم بقطر 14 ملم ولكنها غير مخرومة! وأظهرت الرسومات ان التصميم ملغى “Cancelled”.

ثم عاودت ارسال رسالة اخري فى الأيام الأولي من شهر أغسطس من نفس العام تطلب تصنيع قطع من فئة المليم وان تكون مثقوبة، الأمر الذي حير كلا من دار السك الملكية ودار سك برمنجهام.

خلال المراسلات التي تمت بين الفترة من 3 أغسطس و عبر مدير دار السك الملكية عن حيرته من تلك القطعة المثقوبة ولكنه اعتقد ان القطع المثقوبة اكثر شعبية بين البدو والفلاحين بسبب السهولة في توتيرها على شكل سلاسل بكل سهولة مما يسهل حملها.

mint_24_264_10 (1) (Small)

Al Ahram, 1938.06.12لفت نظري خبرا فى جريدة الاهرام فى يوم 12 يونيو عام 1938 عن نظام النقود فى مصر والسودان اي بعد يومين من صدور مشروع قانون تعديل نظام النقود المصرية والذي ذكر انه قد جاء في المذكرة التي قدم بها مشوع القانون” ان حالة اقاليم السودان الجنوبية تجعل من المتعذر تداول العملة الغير مثقوبة التي من الفئات صغيرة، ولذلك طلبت السلطات المختصة هناك سك عملة مثقوبة من فئة المليم لاستعمالها فى تلك الأقاليم”

ورات لجنة المالية، انه نظرا الي مابين مصر والسودان من الارتباط الوثيق، ورغبة على المحافظة على وحدة العملة فيهما، فإنها توافق علي سك العملة المقترحة، مع الاستمرار فى فى سك قطع من فئة المليم من البرونز حتي تتداول القطعتان بمصر والسوادن.

وبناء على ذلك تمت مراسلة دار السك الملكية البريطانية لالغاء فكرة المليم الغير مثقوب والعمل على تغير خطة السك لعمل قطعة مختلفة للاستخدام فى السودان.

 

 

Template7 (Small) (1)
شكل تخيلي لما كانت سوف تبدو عليه القطعة من فئة ال1 مليم الغير مثقوبة مقارنة بالقطع الاخري من المليم

العملات الذهبية (الخمسة ، الواحد جنيه، خمسون و عشرون قرشا)

Al Ahram 1938.06.29 01

فى 29 يونيو عام 1938 واثناء عرض بيان الحكومة فى مجلس الشيوخ المصري تمت مناقشة الميزانية بالاضافة ال مشروعات القوانين المالية للسنة المالية المنصرمة واثناء الجلسة تم عرض مشروع قانون تعديل النقود للموافقة عليه ووجه احد اعضاء المعارضة سؤال للمثل لجنة المالية عن القطعتين الذهبيتين من فئتي الخمسة جنيهات والعشرون قرشا انهم لم يدخلا فى قانون نظام النقد المصري وظلا محتفظين بقيمتهم الذهبية لا الأسمية – راجع نص التشريع رقم 58 لعام 1938 لتعديل النقود (اعلي الصفحة) – حيث انه لم يتم ذكر كلا من الفئتين المذكورين باستجواب مجلس الشيوخ.

اما الاستجواب الاخر كان بخصوص فئتي الجيه والخمسون قرشا، حيث انه من المعروف ان قطة الجنيه هي اول قطعة يكتب عليها الفئة (واحد جنيه) بدلا من (100 قرش) – طبقا للمعلومة المذكورة فى كتاب موسوعة العملات المعدنية للمهندس مجدي حنفي، ولكن من الواضح ان الاستجواب كان يدور حول امكانية استبدال الرقم المحفور عليها بالاخر! اي انه استبدال الواحد جنيه لتصبح 100 قرش او استبدال ال 50 قرش بكلمة نصف جنيه ولكن اوضح الحكومة انه لا يمكن ذلك حيث تم توريد التصميمات الى دار السك الملكية فى بريطانيا.

02-09-1938 (Small)من الارجح ان قرار سك العملات الذهبية للملك فاروق قد تاجل لما يقارب العام وذلك لانتظار اعتماد ميزانية الدولة حيث تم التقدم الطلب لسك العملات فى نوفمبر عام 1937 ولكنه تم ارسال السبائك الذهبيه لسكها فى سمبتمبر عام 1938 ويظهر ذلك فى بعض المراسلات حيث اعدت مصلحة الدمغة والموازيين المصرية السبائك الذهبية فى يناير عام 1938 وذكر فى الشهادة الخاصة بذلك انه لن يتم السماح بتصديرها الا بعد موافقة وزارة المالية والذي تم بعد اعتماد الموازنة العامة للبلاد وجدير بالذكر انه تم وصول تلك القطع ال مصر فى عام 1939.

لا يتضح مع الاسف لماذا كانت هناك حالة من التخبط فى الحكومة المصرية حيال هذا الاصدار من العملات المعدنية وان كان هناك بعض الاحتمالات منها ان تلك الفترة كانت مليئة بالعراك السياسي والاقتصادي لمصر بعد تولي فاروق ذو الثمانية عشر ربيعا للحكم فى هذا السن الصغير وبناء على الصلاحيات المحدودة التي كانت مخولة له فى ذلك الحين. مع الاسف لم اجد تفسيرا لعدم وجود بعض القطع حتى الان واتمني ان يزاح الستار عن معلومات اكثر فى المستقبل….

د.مازن ابراهيم


المصادر:

الارشيف االوطني البريطاني (مراسلات دار السك)

كتاب النقود للسيد حسين عبد الرحمن

ارشيف جريدة الاهرام الالكتروني

موسوعة وكتالوج العملات المصرية – العملات المعدنية ، المهندس مجدي حنفي

مكتبة المقتني العربي الالكترونية

تشريعات النقد العربية – المقتني العربي

الوقائع المصرية

ويكيبيديا