هل تعلم ماهي قصة قلم النحاس باشا؟

 

النحاس باشا (مصطفى النحاس) (15 يونيو 1879 – 23 أغسطس 1965) أحد أبرز السياسيين المصريين في القرن العشرين. تولى منصب رئيس وزراء مصر ورئيساً لمجلس الأمة (مجلس النواب المصري حالياً). ساعد على تأسيس حزب الوفد وعمل زعيماً له من 1927م إلى 1952 عندما تم حل الحزب. ساهم كذلك في تأسيس جامعة الدول العربية.

استوقفتني منذ بضع أيام مقالة بريطانية صدرت في ٢٧ أغسطس من عام ١٩٣٦ أي منذ ٨٥ عاما، موضوع المقالة كان عن توقيع معاهدة الصداقة البريطانية المصرية واهميتها، وكانت – كمثل اغلب مقالات ذلك الزمن البعيد تتسم بدقة وصف الموقف كله فتشعر القارئ انه احد الحضور، لا بل احد الموقعين! فتصف لنا أولا قاعة “لوكارنو” التي تمت فيها مراسم التوقيع فتذكر انها ذات الوان ذهبية وعسلية، ثم بدأ الصحفي في استعراض أسماء الحضور وكيفية دخولهم القاعة وهم يتجاذبون اطراف الحديث؛ المستر انتوني ايدن مع النحاس باشا رئيس الوزراء، المستر رامزي ماكدونالد ومعه محمود باشا، لورد هاليفاكس وسير جون سيمون ومعهم إسماعيل صدقي باشا، مكرم عبيد باشا ومعه السير مايلز لامبسون واخرين.

240249743_10165338629155391_849136208807048957_n


ويستطرد الكاتب فيقول انه الي جانب المائدة الرئيسية – وهي شبة بيضاوية الشكل – تناثرت الارائك والكراسي المريحة في جنبات القاعة الفسيحة فاحتلها معاونوا وطاقم سكرتارية أعضاء الوفدين الانجليزي والمصري وكذلك زوجات الأعضاء حفيدات نفرتيتي وكليوباترا. اما عن المائدة نفسها فازدانت بخمس اباريق من المياة و اكواب زجاجية واقلام حبر حديثة (يذكر الصحفي بفخر لا يحاول اخفاءه، لا دوايات حبر واقلام ريشة كما كان الوضع في الماضي!)

النحاس باشا يوقع معاهدة 1936

بعدما جلس الحضور بدأت فعاليات الجلسة فصمت الجميع عندما وقف المستر ايدن وبدأ في الحديث، فأثني علي اللورد كرومر واسهاماته السابقه وكذلك السير لامبسون واسهاماته الحالية، لم يذكر سعد زغلول لكن النحاس باشا احيا ذكري “الزعيم المصري الذي كان اول من تفتق ذهنه عن فكرة معاهدة صداقة وتحالف بين الشعبين” كذلك ذكر في خطابه ان “مصر مهد الحضارة القديمة تضع ايديها اليوم في ايد انجلترا الحرة العظيمة لكي تفتح صفحة جديدة بين الشرق والغرب”

240193989 10165338629280391 2103269330139468409 n

بعد الانتهاء من الخطب. بدا السرور علي اعضاء الجانب المصري وتراقصت الطرابيش الحمراء والتي تباينت مع الوان القاعة فضخت فيها حياة جديدة، ووضعت نسختان من المعاهدة علي المائدة. واحدة ستبقي في لندن بينما تطير الاخري للقاهرة ولفت انتباة الصحفي ان الوفد المصري وقع علي النسخة “الانجليزية” بالاقلام التي كانت متوافرة علي الطاولة، لكن بالنسبة للنسخة “المصرية” كان الوضع مختلفا اذ استخدم الجميع قلما ذهبيا واحدا اخرجه النحاس باشا من جيبه الخاص، وعند انتهاء الجانب المصري من التوقيع تم دحرجة نفس القلم للفريق الانجليزي لاستخدامه في التوقيع! الطريف ان المستر ايدن لم يكن منتبها لما يحدث وكاد ان يوقع بقلم عادي كان ممسكا به بين انامله الا ان رئيس الوزراء المصري ابتسم واشار بايمائه خفيفة للقلم الذهبي ففهم ايدن الطلب ووقع هو الاخر بنفس القلم ثم اعاده للنحاس باشا منحنيا بأدب…

240453894 10165338629300391 6794633908565788908 n

الي هنا ينتهي المقال الانجليزي، واتصور انا ان الباشا كان قد اصدر تعليماته قبل المؤتمر لاعضاء الجانب المصري بضرورة استخدام القلم الذهبي فقط للتوقيع، اغلب الظن انه ادرك اهمية اللحظة التاريخية وضرورة تسجيلها من خلال قلم واحد، ربما اراد ان يوضع في متحف يوما ما او لعله اهداه لملك مصر الشاب فاروق – وهو الذي كان عهده لا يتجاوز بضع شهور عند توقيع المعاهدة – او ربما اراد الاحتفاظ به لنفسه كذكري لواحد من اهم الايام في حياته السياسية ..

رغم ان اغلبنا هنا يهتم بجمع العملات والطوابع والكتب والميداليات، لكنني اعتقد ان كل منا يستطيع تماما تفهم دوافع النحاس باشا في هذا الموقف تحديدا، بل ولا ابالغ لو قلت ان اغلبنا لن يتردد في شراء هذا القلم التاريخي لو عرض عليه يوما، ربما لاننا لا شعوريا نعترف اننا نقتني ما نجمعه لحبنا للتاريخ الذي تمثله المقتنيات لا المقتنيات نفسها.
ومازلت اتسائل بيني وبين نفسي، تري ماذا كان مصير قلم الباشا؟
 
رابط المقال الاصلي باللغة الانجليزية:    theguardian
 

يمكنك متابعة مواضيع مشابهة على المقتني العربي

ملاحظات عن الطوابع التذكارية الملكية الفاروقية