بقدر المسافة التي قربت فيها وسائل التواصل الإجتماعي بين الهواة وبين نوادر الأشياء التي دأبوا على جمعها وإقتناءها كانت هي ذات المسافة بين هؤلاء وبين فئة يزداد عددها شئ فشئ من محترفي التزييف والتقليد والنصب على الهواة ، فلا شئ يقف أمام هؤلاء.. لا أمانة ولا أخلاق ولا مرعاة لحقوق الله الأهم من ذلك تحقيق الربح المادي بأي ثمن كان.

امتدت يد العبث لتطال كل شئ ..كل شئ عملات طوابع أوراق مستندات رُخص كتب ساعات جيب ساعات يد أختام شخصية حُلى معدنية لوحات أطباق  أجهزة قديمة … كل شئ يتسع النطاق لذكره  طالته يد هؤلاء.

278324997_353300893492251_3015844620721603375_nاتذكر قبل عقد مضى من الزمان أو يزيد قليلاً  كيف اوقعني حظي العثر في تاجر العملات الذي يفترش أحدى الطرقات ..وقفت أمامه في ذهول أتامل تلك النقود القديمة المذينة بأشكال وروسومات.. بالطبع كنت أخشى السؤال ليقيني بأنه حتماً سيكون فوق طاقتي بمراحل .. وجدنى اطيل النظر فيما يعرضه من نقود وسألني : ” في حاجات تانية كمان بس مش معايا”، شوف بس أنت عاوز ايه ومش هنختلف” وكان ردي ” يعني الواحدة من دول بكام ” كان ذكيا يطيل الحديث لكي يتأكد أنني أجهل من أعلم مدى حقيقة تلك النقود وما أن كانت أصلية أم مزيفة”، عاود الحديث وقال لي ” في تلاتين حته من الشكل ده كلهم بالف جنية” وفي سرعة البرق بدأت احسب قيمة القطعة  لأجد القطعة الواحدة لا يتعدى ثمنها 30 جنية أو ما يزيد قليلاً” لأجد نفسي اطلب منه الإنتظار للغد لكي آتي بالمال واستلم هذا الكنز “، ووافقني بعد أن طلب مني ترك مبلغ من المال كجدية حجز أفقده إن لم أفي بوعدي وأتيت له في الغد”.. وغادرت المكان ولدى يقين أن هذا الرجل أما جاهل لايعلم قيمة تلك الأشياء أو أنه لديه المزيد منها فلربما يريد التخلص منها بأي سعر ، وبالفعل توجهت في اليوم التالي وبحسب المعاد المقرر سلفاً ومعي الالف جنية .. وبالفعل كذلك استلمت العملات وضعتها في جيبي وهممت بالعودة للمنزل لكي اتفقد هذا الكنز الذي هبط علي من السماء… وعدت وافرغت النقود وبدأت اتفحصها ..وبالطبع لم يكن لدي أي علم بتفاصيلها وأجهل أن هناك من يزيفون ويقلدون تلك الأشياء… كل يوم أعود واتفقدها واحمد الله على هذا الكنز..

مرت الأيام وبدأت في الاهتمام بهوايات عدة منها شراء الكتب والمستندات القديمة والعملات وغيرها، وبدأت تتسع دائرة المعارف شئ فشئ حتي هداني الله لأحد التجار المعروفين .. وفي ذات لقاء وكان الحديث بيينا عن النقود القديمة ابلغته بما لدي من نقود رومانية أصلية ووعدني بأن يشتري كل ما آتي به إليه.. عارضاً في القطعة ما يزيد عن 300 جنية اي عشر اضعاف ما دفعت في القطعة الواحدة. قولت في نفسي ولما لا “بيع واشتري تاني وابقي تاجر قد الدنيا”.

عدت اليه باكراً ومعي “الكنز ” وفي حضور تاجر آخر من كبار أصحاب المتاجر في القاهرة هممت بإخراج ما لدي في انتظار سماع كلمة أي منهما تعبيراً عن رضائهما .. لكني وجدت صديقي التاجر ينادي على “الصبي” الذي يعمل معه في متجره ” واد ياهاني بص علي دول كده” ” وإذا بهاني يقول لي وللجميع “دول fake يا حاج” “ده شغل كرداسة أبو خمسة جنية الحتة”، وكأن صديقي أراد أن يقول لي .. يامتعلم يا بتاع المدارس ياهاوي ..ها هو ذاك الصبي أعلم منك واقدر منك على اكتشاف حقيقة تلك النقود الرديئة المزيفة المقلدة المضروبة .. تمنيت أن اختفي من المكان فانا لست نصاب … لأجده يقول لي “لولا اني أعلم من أنت وأعلم أنك تجهل حقيقة الأمر ما اخرجتك من هذا المكان” وكان هذا اول درس لي في هذا العالم المجهول .

278567602_291408499694664_1708354319599319154_n

بدأت ان ادرك أن المعرفة هي السلاح الأول الذي يجب أن يتحصن به أي هاوي .. الأمر بسيط .. فالمعرفة لم تعد صعبة.. قليل من الوقت والجهد والقراءة والبحث وبالطبع قبل كل شئ اختيار الرفاق وأصحاب المعرفة ومن لديهم القدرة على إسداء النصيحة.

كلما مررت بعشرات المجموعات الخاصة بالهواية وصادفني مئات القطع المزيفة والمقلدة والمضروبة تذكرت القصة الأولي .. التي كانت وبحق درس لي منذ ذاك الوقت وحتي الآن.. بل بات لدي يقين أن الأمر تحول بالفعل لحرفة لدى البعض لتشويه الزمان والتاريخ والجمال الذي أفقده هؤلاء معناه وأفرغوه من مضمونه.

أحمد عبداالله الغريب