في يوليو ١٩٠٦، نشرت احدي الجرائد المحلية بولاية تكساس اعلانا صغيرا يعلن فيه ب. ماكس ميهل انه سيعتزل العمل في مجال اصلاح الاحذية وسيتفرغ تماما لتجارة العملات نظرا للنجاح الذي لاقاه مؤخرا، وعلي سكان تكساس البحث عن اسكافي جديد! ومن هنا بدأ مشوار ميهل الجدي مع العملات…

ولد بينجامين ماكس ميهل في ليتوانيا (عندما كانت جزءا من الإمبراطورية الروسية) عام ١٨٨٤، الا ان والده قرر الهجرة مع اسرته الصغيرة للولايات المتحدة وهكذا وجد ماكس نفسة طفلا صغيرا يعمل في مجال اصلاح احذية رعاة البقر وباقي سكان مدينة “فورت وورث” بتكساس. الدخل كان بسيطا لذلك ادرك ان عليه ان يجد طرقا اخري لزيادته وسمح له والده (الاسطي) ان يتاجر في العملات في جانب صغير من جوانب المتجر، حتي قرر اخيرا تكريس كل وقته ومجهوده وماله لهذه التجارة.

امتاز ماكس منذ حداثته بموهبة طبيعية في مجال الدعاية والتسويق والعلاقات العامة وكانت كلها عوامل نجاح هامة ساعدته طوال حياته لاحقا، فبعد فترة بسيطة ادرك ان علية التوسع وان هواة العملات في مدينة فورت وورث قليلين فشرع في اصدار مجلة شهرية عن العملات وانتظم في حضور مؤتمرات الجمعية الأمريكية للنميات للاستزادة من المعرفة، وبدأ النجاح يحالفه اذ استطاع الحصول علي مجموعات الهواة الكبار وبيعها لهم من خلال مزاداته والتي اكسبته شهرة واسعة النطاق.

لعل اشهر حملات ماكس ميهل الدعائية كانت تلك الخاصة ب٥ سنتات ١٩١٣. يوما ما نشر اعلانا انه مستعد لشراء هذه القطعة بأي حالة بمبلغ ٥٠ دولارا، وعندما لم يجد استجابة رفع المبلغ ل١٠٠ دولار ثم زادها ل٥٠٠ دولار. وقتها في فترة الثلاثينيات كانت الولايات المتحدة تمر بالأزمة الاقتصادية الكبري واغلب الامريكيون كانوا عاطلين عن العمل، التقطت الجرائد اليومية الخبر الطريف – ان هناك تاجر عملات مجنون من تكساس يعرض ٥٠٠$ نظير قطعة “عادية” ذات ٥ سنتات فبدأت حملة بحث قومية عن القطعة المنشودة شارك فيها الأطفال والرجال والنساء والشيوخ! حتي ان شركة ترامواي سان فرانسيسكو ارسلت لماكس كي يسحب عرضه هذا لانهم لاحظوا ان “الكمسارية” اصبحوا يعطلون الترام لانهم يفحصون كل عملة تدفع لهم بدقة املا في العثور علي ٥ سنتات ١٩١٣ مما عطل خطوط الشركة كلها واصابها بخسائر جسيمة! وبالرغم من استمرار البحث المستعر لسنوات لم يحدث قط ان عثر اي شخص علي القطعة بالصدفة الا ان سمعة ماكس كانت قد طبقت الافاق.

وفي عام ١٩٣١ اعلن ماكس انه دفع ١٨،٥٠٠$ نظير اعلان واحد – وكان مبلغا ضخما وقتها لأي اعلان! ويحسب للرجل انه امن بفن الدعاية فعندما علم ان القراء يفضلون الكاريكاتير بدأ في اصدار اعلانات علي هيئة “كوميكس” ثم قرر استخدام التكنولوجيا الحديثة وقتها من خلال برامج الراديو فأصدر واحدا كان يعده ويقرأه بنفسه واستمر لسنوات طويلة وكان لفترة متربعا علي عرش البرامج الاذاعية في الولايات المتحدة.

واستمر نجاح ميهل وكان يستثمر هذا النجاح لجذب الاخرين للهواية، فابتاع مبني ضخما مكون من ٣ طوابق ويحتل ناصيتين تطلان علي اهم شوارع فورت وورث واطلق عليه اسمه واستخدمه بالكامل كمكتب لتجارة العملات، وعندما ازدادت الخطابات المرسلة اليه من القراء والمشترين عين ٤٠ موظفا فقط لكتابة الردود وارسال العملات والمجلات للقراء! ووصل الأمر ان ادارة بريد مدينة فورت وورث اعلنت وقتها ان ٧٠٪؜ من البريد الآتي للمدينة مرسل لماكس ميهل وحده ونظمت لوريات خاصة لنقل بريده وطروده عدة مرات يوميا من مكتب البريد لمتجره، الامر الذي استغله ماكس بالطبع في اعلاناته وصور موظفيه وامامهم اطنان من الأظرف!

لم يشتهر ميهل داخل امريكا فحسب بل اصبحت شهرته دولية وكان من بين عملائه وينستون تشرتشل، فرانكلين روزفلت وفاروق الأول .. حتي ان الاخير عندما قرر بيع مكررات من مجموعاته عام ١٩٤٨ لم يجد افضل من ماكس ليتولي هذه المهمة نظرا للثقة الكبيرة التي كان يوليها اياه. ومن طرائف المزاد ان ماكس – وهو المولع بفن الدعاية والاعلان – طلب من الملك فاروق ان يسمح له باستخدام صورته علي غلاف كتالوج المزاد لتحقيق مبيعات اعلي وهو الامر الذي رفضة الملك نظرا لأهمية وحساسية منصبة والذي يتعدي حدود هواياته لكن ماكس لم ييأس فطلب الإيذان له باستخدام صورة لعملة تحمل وجة الملك فاروق علي الغلاف وهو الامر الذي وافق علية الملك معجبا بسعة حيلة التاجر الأمريكي! جدير بالذكر ان المزاد كان ناجحا مما حدا بالملك ان يمنح ماكس مكررات اخري واقيم مزاد اخر علي مجموعات عملات ملكية في عام ١٩٥١. (وهذه كلها مزادات اخري غير مزاد ١٩٥٤ المعروف بمزاد قصر القبة).

عندما نتصفح المجلات التي اصدرها ماكس ميهل نجد انها كانت تحتوي علي حوالي ٦٠٪؜ عملات للبيع و ٤٠٪؜ مقالات ومعلومات مفيدة عن النميات. وكانت لدية سلسلة مقالات شهيرة للتعريف بالعملات الاثرية وتاريخ العملة وكانت محلاه بصورة لقطعة امريكية حديثة تحمل صورة نسر امريكي الي جانب عملة مصرية من العصر البطلمي تصور نسرا مصريا هي الاخري وكان عنوان هذه السلسة “كلما تغيرت الأمور، كلما بقيت كما هي” … في زمن ما قبل الكتالوجات لخص ماكس فلسفته في الجملة الآتية: “عندما يدرك الجميع انك تملك العلم ولا تبخل به عليهم سيثقون بك حتما وعندما يثقون بك سيتهافتون للتعامل معك”.

في عام ١٩٥٧ توفي ب. ماكس ميهل، شيخ تجار العملات، ذلك الرجل الذي بدأ حياته كصبي اسكافي يعمل بأصلاح الأحذية ونهاها صديقا للملوك والرؤساء وحائزا علي ثقتهم، الا ان اهم ما كان يفتخر به ماكس العجوز انه اعتبر احد اهم اسباب انتشار هواية جمع العملات في امريكا والعالم.

محب رزق الله