Books/Publishersالعملات المعدنيةطوابع البريد

المقتني العربي…عقـد من التميز والإبـداع

في مارس من عام 2016 ، وُُلدت فكرةٌٌ بسيطة في أذهان هاويََين متخصصََين من أبناء الجاليات العربية في أستراليا؛ أن يكون للهاوي العربي مصدر موثوق للمعرفة ومرجع علمي معتمد ومنبر يجمع شتات اهتمامه من العملات النادرة الى الطوابع التي تحكي التاريخ.

اليوم، وبعد عشر سنوات حافلة، نحتفل في عددنا الثالث والعشرين بمسيرة استثنائية تحوّّلت خلالها مجلة رقمية صغيرة إلى منظومة ثقافية وأكاديمية راسخة واصبحت مرجعا لا غنى عنه لالاف الهواة والباحثين في العالم العربي وخارجه .

القصة و والميلاد

لا تبدا قصة  المقتني العربي من يوم صدور عدده الأول بل تعود إلى أشهرٍ سبقت ذلك حين بدأت الفكرة تتشكّل وتدور حولها النقاشات في هدوء. كان مازن ميرة ومحب رزق الله قد بدآ قبل التأسيس بنشر معلومات بشكل متكرر بين جنبات مجموعات التواصل الاجتماعي المتخصصة، وسط عالم كانت فيه المنتديات الرقمية تتراجع وتختفي تدريجياً تاركةً فراغاً معرفياً كبيراً. وما لفت الأنظار أن تلك المنشورات لم تكن مجرد منشورات عادية — بل أجمع المتابعون على أنها موثّقة وذات أهمية علمية حقيقية.
ظلّ الأمر على هذا الحال إلى أن نشأت صداقة حقيقية بين الرجلين، نتيجة تواجد كليهما في أستراليا. تحوّلت المنشورات إلى نقاشات علمية عبر الهاتف وخلال اللقاءات المباشرة، تناولا فيها الحاجة إلى شيء مختلف — شيء يُنظّم هذا الكمّ من المعلومات ويمنحها المصداقية التي تستحقها.

في مارس 2016 جاءت اللحظة الفارقة. تواصل مازن مع محب حاملاً عبارة لم ينسَها حتى اليوم، مستعيراً صياغتها من العالم اليوناني أرخميدس: «وجدتها… وجدتها». كانت الفكرة: إنشاء مجلة إلكترونية تجمع تلك الاقتصاصات المتناثرة من المعلومات في مكان واحد، لتصبح أكثر مصداقية بين يدي الهواة والباحثين. لم يتردد محب لحظةً في دعم الفكرة، بل أبدى حماساً واهتماماً شديدَين لمشروع كان في تلك اللحظة خارجاً عن المألوف تماماً. وأعلن الاثنان لمجموعة من الأصدقاء عن قرارهما تأسيس أول مجلة عربية متخصصة في مجال علوم المقتنيات.


قصة الاسم والشعار

كان الاسم الأول المقترح للمجلة هو «عملات وطوابع» — اسم وصفي مباشر يعكس المحتوى المنشود. وبدأ تصميم غلاف العدد الأول بناءً على الموضوعات المقرّرة، وكان في مقدمتها صورة لقطعة 10 مليمات الملك فاروق التي يمتلكها أحد الأصدقاء، المهندس وليد منتصر، لموضوع العملات المشرشرة (المسنّنة) في الوطن العربي. غير أن المؤسسَين آثرا قبيل الإطلاق تبنّي اسم أوسع وأعمق دلالةً، فاستقرّا على «المقتني العربي» — اسم يحمل في ثناياه الهوية الجامعة لكل هاوٍ عربي يقتني ويحفظ ويوثّق، بصرف النظر عن نوع مقتنياته.

حتى الشعار الخاص بالمجلة مرّ بأكثر من مرحلة قبل أن يصل إلى شكله الحالي، إذ أصرّ الفريق على اختيار اسم وشعار يحملان طموح الوصول بحدود المقتنيات العربية إلى العالمية منذ اليوم الأول.

الانطلاقة الاولي

في مايو 2016 صدر العدد الأول، يحمل 23 صفحة و9 مقالات متخصصة تحت عنوان «المقتني العربي — The Arab Collector». كان ذلك بداية مسيرة لم يتخيّل أحد أنها ستصل في عقد واحد إلى ما وصلت إليه اليوم.

وتمّ الإعلان عن انطلاق المجلة عبر صفحات التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها فيسبوك، وعبر منتدى «العملات والطوابع العربي» الذي كان يمثّل آنذاك البيئة الرقمية الأقرب لمجتمع الهواة العرب — وهو ما يعكس وعي المؤسسَين بأهمية الانطلاق من حيث يوجد الجمهور لا من حيث يفترض أن يكون.


خلال تلك السنوات الأولى أصبح المقتني العربي موطناً وملاذاً للعديد من الباحثين والقراء من جميع أنحاء الوطن العربي والجاليات العربية في الخارج — ومرّت عليه كما تمرّ على كل مشروع ريادي مراحل نجاح ومراحل تحدٍّ، وكل مرحلة علّمته وأضافت إليه.

الهوية والرسالة

يهدف المقتني العربي في جوهره إلى نشر المعرفة والوعي العلمي المتخصص بمجالات النميات (Numismatics)، والفيلاتيلية (Philately)، والأوراق النقدية، والميداليات، والتوثيق التاريخي — وكل ذلك بالعربية أولاً مع إتاحة بعض المواد بالإنجليزية لخدمة الباحثين والمهتمين دولياً. كما يدعم جهود الباحثين والأندية المتخصصة في مجالات جمع المقتنيات النادرة في الوطن العربي.
تُدار المنصة من أستراليا، وهذا البُعد الجغرافي عن مراكز الوطن العربي لم يكن يوماً عائقاً، بل كان نافذةً على العالمية وجسراً بين الجاليات العربية في جميع دول المهجر والهواة في أوطانهم. المجلة تصدر بصيغة رقمية (PDF) منذ يومها الأول وبشكل غير دوري منتظم، وهو قرار واعٍ يعزّز الوصول ويُقلّل الاعتماد على الورق، ويجعل المجلة في متناول كل هاوٍ أو باحث أياً كان مكانه حول العالم.

غلاف العدد الاول من مجلة المقتني العربي
غلاف العدد الاول من مجلة المقتني العربي

الاعتراف الدولي — الرقم الدولي والأرشفة العالمية

ما يميّز المقتني العربي عن كثير من المبادرات العربية المماثلة هو حرصه المبكر على الاعتراف المؤسسي الدولي — وهو ما لم يكن حلماً سهل المنال. كان العضو المميز السيد ميشيل بقني صاحب الفضل في تسليط الضوء على هذه الخطوة، إذ عرض التوجيهات اللازمة وأبرز أهميتها الاستراتيجية للمجلة. فأصبحت المجلة مسجّلة برقم ISSN الدولي 2652-9009 في قاعدة بيانات ISSN — وهو الرقم المعياري الدولي للمطبوعات الدورية الذي يضعها في مصاف المجلات العلمية المعترف بها رسمياً على مستوى العالم.

علاوةً على ذلك، حُفظت أعداد المجلة في المكتبة الوطنية الأسترالية ضمن أرشيف المواد الرقمية الدولية — وهو تقدير رسمي نادر لمطبوعة رقمية عربية متخصصة. كما أُرشفت على Internet Archive (archive.org) لضمان حفظها للأجيال القادمة، ونُوقشت أعدادها في منتديات Numista الدولية وأُدرجت في قاعدة بياناتها التي يستخدمها ملايين الهواة حول العالم. وأتاحت المجلة بعض أعدادها على منصة Academia.edu البحثية لتصل إلى الأكاديميين والباحثين في الجامعات.
هذا المسار المؤسسي لم يكن صدفةً بل رؤية استراتيجية واضحة منذ البداية: المقتني العربي لا يُخاطب هواة العرب فحسب، بل يُخاطب مجتمع المسكوكات والطوابع البريدية والمقتنيات على المستوى العالمي.

الشراكات — من المحيط إلى الخليج ومن القاهرة إلى نيويورك

لعلّ أبرز ما يشهد على مكانة المقتني العربي شبكة شراكاته المتنوعة التي تجمع مؤسسات محلية وعالمية كبرى.
على الصعيد الدولي:

جمعية المسكوكات الأمريكية (ANA — American Numismatic Association)، أكبر منظمة غير ربحية للهواة في العالم منذ 1891، والتي أجرى معها الباحث محب رزق الله محاضرة تاريخية عن تقييم العملات — ولأول مرة باللغة العربية — في أكبر هيئة عالمية للمسكوكات بالولايات المتحدة، وهو إنجاز يُعدّ سابقةً في تاريخ البحث النمي العربي.
شركة NGC للعملات (NGC — Numismatic Guaranty Corporation)، إحدى أكبر وأعرق شركات تصنيف وتوثيق العملات في العالم، التي صنّفت أكثر من 60 مليون عملة منذ تأسيسها عام 1987.
شركة تقييم العملات المحترفة (PCGS)، الشريك الدولي الآخر في مجال توثيق العملات وتصنيفها.
منصة Numista العالمية لكتالوج العملات.

موسوعة Wikipedia العالمية.

على الصعيد العربي — على سبيل المثال لا الحصر:
نادي الرواد المصري لهواة الطوابع، والجمعية المصرية لهواة طوابع البريد، ومركز هواة الطوابع والعملات في عمّان، ورابطة هواة العملات والطوابع في فلسطين، والنادي اللبناني لهواة الطوابع والعملات، ونادي قطر لهواة جمع الطوابع، ومدونة الدليل الشامل للنقد السوري.


هذه الشراكات تُجسّد رؤية المقتني العربي الجامعة: أن التراث الاقتنائي العربي ملكٌ للجميع ومسؤولية مشتركة، وأن الهاوي العربي يستحق أن يكون جزءاً من المنظومة العالمية للمقتنيات لا هامشاً على أطرافها.

مسيرة التطور — من مجلة إلى منظومة

لم يكتفِ المقتني العربي بدور الناشر الدوري. فعلى مدار عقد تحوّل تدريجياً إلى منظومة رقمية متكاملة تضم ستة أذرع تخصصية:
1. مجلة المقتني العربي — النواة الأصل التي تصدر منذ 2016 وتُغطّي الطوابع والعملات والأوراق النقدية والميداليات والتاريخ البريدي العربي.

2. سلاسل الأبحاث — وهي في حقيقتها نوع متميّز من الشراكات بين المقتني العربي وباحثين متخصصين في فروع دقيقة من الهوايات:
الموسوعة المصرية للبنكنوت — بقلم المهندس محمود شعبان أبو أرسلان، وصلت إلى تسعة أجزاء موثّقة.
دليل العملات المعدنية المصرية — بقلم السيد حاتم جندي.
تقرير البريفيكس — شراكة استراتيجية مع السيد محمد والي.
البريد المحلي والخاص في المغرب 1891–1911 — للأستاذ رضوان سريدي، في سبعة أجزاء وأكثر.

نوميزلاميكس | Numislamics – مع الدكتور أحمد عبدالله يوسف للبحث في المسكوكات الإسلامية
3. المكتبة الرقمية — أُسّست عام 2020 عبر library.arabcollector.com، وتضمّ الآلاف من المصادر والوثائق التاريخية المتخصصة في المقتنيات والتاريخ، وهي في تطوير مستمر.
4. أكاديمية المقتني العربي — الذراع التعليمي بمحاضرات ودورات يقدّمها متخصصون من بينهم الدكتور المعتز بالله الشهاوي.
5. مختبر المقتني الصغير (مارس 2026) — أول بوابة تفاعلية عربية متكاملة للأجيال الناشئة، تربط الطفل بتراثه بطريقة مرحة ومبتكرة.
6. مبادرة أكاديا ACADIA (أبريل 2026) — Arab Collector Academic & Distribution Initiative، التوزيع الأكاديمي العالمي لكتب ومؤلفات المقتنيات، وهي أجرأ خطوة في تاريخ المنصة.
6. مبادرة أكاديا ACADIA (أبريل 2026) — التوزيع الأكاديمي العالمي لكتب ومؤلفات المقتنيات.

محطات في عقد

التاريخالحدث
مارس  2016انبثاق الفكرة — الاسم الأولي “عملات وطوابع”
مايو 2016العدد الأول — 23 صفحة، 9 مقالات
2016–2018توسّع المساهمين من أكثر من 10 دول عربية
 يناير 2019إطلاق سلاسل الأبحاث الكبرى
2020حفظ المكتبة الوطنية الأسترالية وإنطلاق الأرشفة الالكترونية
2023–2024التحوّل المؤسسي الكامل: مكتبة، أكاديمية، لجنة خبراء
مارس 2026مختبر المقتني الصغير
أبريل 2026مبادرة أكاديا

خاتمة

عشر سنوات مضت على تلك اللحظة التي قال فيها مازن لمحب «وجدتها»، واليوم المقتني العربي يحمل رقمه الدولي ISSN، ويسكن أرفف المكتبة الوطنية الأسترالية، ويتشارك الساحة مع NGC وANA وPCGS وNumista، وتُترجَم أبحاثه إلى حضور أكاديمي عالمي حقيقي.
المقتني العربي لم يغيّر اسمه من «عملات وطوابع» إلى اسمه الحالي بمحض الصدفة — كان ذلك إعلاناً مبكراً وصامتاً عن طموح أكبر من الوصف، طموح يريد لكل هاوٍ عربي أن يجد نفسه فيه سواء كان يجمع قطعاً فاروقية مشرشرة أو طوابع فلسطين أو أوراق الليرة السورية الأولى.
في عدده الثالث والعشرين، مع العقد الثاني يفتح أبوابه، يبقى المقتني العربي ما كان دائماً: صوتاً علمياً جاداً يؤمن بأن كل قطعة أثرية تحمل حكاية لا تُقدَّر بثمن، وأن حفظ هذه الحكايات ونقلها إلى الأجيال القادمة مسؤولية ثقافية وحضارية لا تنتظر.


وسيواصل  المقتني العربي  مسيرته  محافظا على رسالته في توثيق المقتنيات بكافة تنوعها الثقافي ونقل حكاياتها  ليبقى جسرا معرفيا يربط الهواة والباحثين عبر العالم العربي وما وراءه.

ويتقدّم  فريق المقتني العربي بخالص الشكر والتقدير إلى جميع الهواة والباحثين والكتاب الذين أسهموا بدعمهم المعنوي ومشاركاتهم القيّمة في مسيرة المجلة  وكانوا جزءا أساسيا من نجاح المجلة واستمرارها.

مازن ميرة

Devoted numismatist specializing in Arabic Numismatics, Experienced Territory Manager with a demonstrated history of working in the pharmaceuticals industry. Founder of the Arab Collector and acts as the magazine editorial-in-chief.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى