أحمد عبد الله – باحث في تاريخ مصر المعاصر

إلعب بالمقصوص لما يجيك الديواني(1)، ربما سمع البعض من ذي قبل هذا المثل الشعبي المصري الأصيل دون أن يدرك أن من ورائه قصة مثيرة وغريبة في ذاك الوقت عن تاريخ تداول النقود في مصر في فترة من الفترات، إذ عرفت مصر نتيجة لانهيار وزن وعيار أنصاف الفضة بدءاً من ولاية على باشا الصوفي والذى تولى ولاية مصر عام 973 هجرية / 1563 م واستمرت ولايته ثلاثة سنوات (2)، ثم من جراء الأزمة المالية فى عهد السلطان مراد الثالث والذى تولى الخلافة عام 982 هـجرية / 1574 م (3)، ظاهرة غريبة وهى قص أنصاف الفضة وتداول هذه الأنصاف المقصوصة في الأسواق، وأقدم الإشارات لهذه الظاهرة في مصر ترجع إلي عام 1092 هجرية / 1681 ميلادية ، كما ذكر الجبرتى أنه فيما بين عامى 1108و 1114 هجرية / 1697 – 1703 ميلادية أن أمر الفضة المقاصيص فشا وقل وجود النقود الديوانية وإن وجد أشتراه الصاغة بسعر زائد وقصوه فتلفت بذلك أموال الناس، وقد ترك هذا العمل الذي يعكس طمع وجشع اليهود الذين يتولون توريد معدنى الفضة والذهب لدار الضرب، ترك بصماته على مسميات الشوارع بالقاهرة، إذ تحولت تسمية “عطفة الصاغة” إلى تسمية “عطفة المقاصيص” بسبب قيام الصيارفة اليهود بقص أنصاف الفضة فيها، وترددت بدء من عام 1116 هجرية التسمية الجديدة فى وثائق المحكمة الشرعية وظلت لصيقة بهذه المنطقة إلى وقت دخول الفرنسيين حيث أشار بعض الرحالة الفرنسيين إلى “خط المقاصيص”(4) الواقع بشارع المعز، حيث تعددت الأنشطة التجارية به بدرجة لم تحدث من قبل فتركزت فيه تسعة أعشار أنشطة مجموع تجار وحرفيى القاهرة واختص كل نشاط بجزء منه فتمركزت تجارة الأقمشة الكبيرة بين سوق الغورى والفحامين.. أما منطقة الصاغة وهى المكان الذى يشتغلون فيه بأعمال المعادن الثمينة التى يصنعونها، فقد احتلت موضعا فى منتصف الوسط، حيث تتم أيضا أعمال الصرافة، وتوجد فى جنوب الصاغة “حارة المقاصيص” أى العملات النقدية المقصوص ولذلك أطلق المكان حارة المقاصيص (5).

ويقع شارع المقاصيص بين الخردجية والجوهرجية وينتهي شارع المقاصيص إلى حارة اليهود وإلى شارع خان أبي طقية، بأوله جامع محمل تغرى بردى، ويعرف أيضاً بجامع المقاصيص وهو من الجوامع القديمة وبه سبيلان أحدهما وقف الحرمين والثاني كان وقف محمد بك تغرى بردى وبه أيضاً عدة وكالات تجارية (6) .

وكان اليهود يأخذون الأنصاف الفضة المسكوكة ليقصوا النصف الواحد إلى أربعىة أنصاف ثم تمادى الأمر إلى أن صارت تتداول بالوزن حيث كان التجار يجمعون تلك المقاصيص ويبعونها في الصاغة، وبعد تذمر التجار وأرباب الحرف من هذا الوضع تقرر في ذاك الوقت ضرب نقود فضية جديدة توزع على الصيارف بالقاهرة وينادى بإبطال المقاصيص وأن كل من كان معه شيء من المقاصيص يقوم بإبدالها من ديوان المالية ويأخذ وزنها فضة من دار الضرب أو الصيارف وكل من يتعامل بالمقاصيص يتحمل ما يحدث له، وكان ذلك فى عهد السلطان مصطفي خان، لكن الأمر لم يستقر طويلاً حيث عادت المقاصيص للظهور خلال عام 1123هجرية / 1714 ميلادية ونودى مرة أخرى بإبطال العمل بها في شوارع القاهرة، وفي عام 1128 هجرية/ 1719 ميلادية أتفق أعيان مصر على إبطال المقاصيص وصدر في ذلك فرمان من والى مصر بأن المقاصيص أصبحت ممنوعة من التداول وبطالة، لكن تلك الأزمة تجددت مرة أخرى عامى 1134 هجرية و1137 هجرية / 1720- 1723 ميلادية حيث أضطرت السلطات إلى قبول التعامل بها حتى صدر عام 1144 هجرية/ 1730 ميلادية أمر الباشا بإبطال المقاصيص وقصر التعامل على النقد الديوانى ولم يكد يمر عام حتى ثارت العامة لكثرة تداول المقاصيص ليصدر من جديد عام 1145 هجرية/ 1731 ميلادية قرار بمنع تداولها(7).

كما يشار إلي أنه خلال عهد السلطان عبدالمجيدالأول والذي تولى الخلافة عام 1839م(8)، قامت الدولة العثمانية بإصدار الريالات الفضة وذلك في محاولة لوقف زحف العملات الفضية الأوروبية الثقيلة على أسواق الشرق، ومن الطريف أن العملات العثمانية من الفضة كانت عرضة دوما للتزييف بواسطة ”الزغلية” أو مزيفي العملة بعد انقراض العملة النحاسية من الفلوس. ومن ناحيتهم قام الصيارفة مرة أخرى بقص الأنصاف الفضية الى قطع مع ارتفاع اسعار الفضة وهو ما أدى الى ظهور الانصاف المقاصيص في مواجهة الانصاف الكاملة أو الديوانية، وكان اليهود مرة أخرى في حارة الصاغة بالقاهرة هم أصحاب هذا الابتكار النقدي لتحقيق التوافق بين القيمة الجوهرية للأنصاف وقيمتها الشرائية، وقد ترك ذلك الإجراء أثرا لا يمحى في الذاكرة الشعبية حيث يقول المثل الشعبي المصري ”العب بالمقصوص لما يجيك الديواني(9)، وقد ذكر أحمد تيمور باشا في كتابه الأمثال العامية ص 39 في تفسيره لأصل هذا المثل أن المراد بالمقصوص هو الدينار الذى يقص منه وينبغى للإنسان أن يرضى به ما دام لم يجد سواه حتى يأتيه الدينار الديوانى الكامل، ولكن حوادث التاريخ تؤكد أن المراد بالمقصوص هو النصف فضة المنقوص والكامل منه هو الديوانى إذ لا ذكر لدنانير ديوانية في المصادر أو الوثائق التاريخية(10).

ويعتبر الآن شارع “المقاصيص- أو ما يعرف بوكالة الجوهرجية والكائن بمنطقة حارة اليهود والجمالية بالقاهرة،على رأس الشوارع الأعلى سعراً داخل حارة اليهود، رغم أن طوله لا يتعدى 100 متر، ويضم نحو 50 محلاً. وتبدأ الأسعار من 225 ألف جنيه للمتر، وبمساحات تبدأ من 10 أمتار للمحل الواحد، ويشتهر شارع المقاصيص بتجارة الذهب الجملة، ويتواجد به أشهر تجارة الصاغة فى مصر ومنهم “إيميل ذكا”، و”أنطون رؤوف” ، و”مراد شفيق”، و”حسن نصار”، و”ملاك وبشرى”(11).

ويرجح أن دخول ظاهرة قص النقود لمصر جاء على يد بعض اليهود الوافدين لمصر من أوروبا خاصة من أسبانيا وشمال إفريقيا،إذ أن العديد من دول أوروبا وغيرها من الدول شهدت تلك الظاهرة وهو ما يتضح من خلال ما ينشر في الكثير من المواقع العالمية المتخصصة في مجال قطع النقد الأوروبية القديمة(12)، والتي توضح أن تلك الظاهرة لها أمتداد ولم تكن وليدة الصدفة في مصر(13)، وإنما جاءت نتيجة إستغلال فئة من أصحاب المصالح للوضع الأقتصادي المتأزم الذي عشته مصر خلال حقبة من حقب التاريخ.

وتظهر الصور المرفقة في التقرير بعض القطع النقدية الأوروبية التي تعرضت هي الأخرى لظاهرة القص خلال فترة من فترات التاريخ كما تظهر لافته تحمل أسم شارع المقاصيص محل تلك الظاهرة الغريبة التي شهدتها مصر، وأخيراً ربما كانت قطع النقد المعروفة بالمقاصيص في فترة من الفترات قطعاً غير قابلة للتداول وسبباً في أزمات أقتصادية متتابعة لكنها تبقي الآن بمثابة قطع نادرة لا نعلم عنها شيء نتمني جميعأً أن نمتلك بعض منها أو على الأقل رؤيتها خاصة أن صور تلك القطع المتداولة في مصر قليل ولا يكفي لإلقاء مزيد من الضوء على تلك الظاهرة…..تحياتي.

المصادر:

1. http://mohdkenzo.blogspot.com.eg/2010/08/blog-post_3369.html2. https://ar.wikipedia.org/…/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AF_%D8…3. https://ar.wikipedia.org/…/%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%A9_%D9…4. النقود المتداولة في مصر العثمانية – د. أحمد الصاوى – مركز الحضارة العربية القاهرة 2001 طبعة أولى – ص 89 : ص 93.5. سوق العالم التجارية من باب زويلة لسوق السلاح – كاميليا عتريس – صباح الخير – 15 – 09 – 2009.6. عبد الرحمن زكي، موسوعة مدينة القاهرة في ألف عام، القاهرة: مكتب الأنجلو المصرية، 1987، ص142.7. النقود المتداولة في مصر العثمانية – د. أحمد الصاوى – مركز الحضارة العربية القاهرة 2001 طبعة أولى – ص 89 : ص 93.8. https://ar.wikipedia.org/…/%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9…9. فلوس العثمانيين.. من الشريفي إلى المصاري والمقصوص – د• أحمد الصاوي- صحيفة الإتحاد الإماراتية – 04 أكتوبر 200710. النقود المتداولة في مصر العثمانية – د. أحمد الصاوى – مركز الحضارة العربية القاهرة 2001 طبعة أولى – ص 89 : ص 93.11. فقط فى “حارة اليهود” سعر المتر يشترى شقة – احمد سمير – أغسطس 18- 2015 – جريدة البورصة المصرية.12. https://www.numisbids.com/n.php?p=lot&sid=756&lot=33913. http://www.the-saleroom.com/…/lot-67a4070c-b80d-4dcb…