1647039159940

 

ملكة المسلمين عصمة الدنيا و الدين أم خليل الصالحية

 

 

كانت “شجر الدر” الجارية ذات الأصول التركية واحدة من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب ، و قد تمتعت بالذكاء الحاد و بقوة الشخصية و بالجمال الأخاذ ، تلك الخلطة التي اذا اجتمعت لدى امرأة صار تأثيرها عظيما على الرجال ، أما ان كان هؤلاء الرجال ملوكا فحينها يمتد تأثيرها لمصائر دول و شعوب بأكملها ، و بخلاف ما تمتعت به “شجر الدر” من قدرات مكنتها من أن تصبح سريعا أقرب المقربين للملك الصالح ؛ هناك أيضا سياقا تاريخيا مهد لها الطريق لتصبح أول ملكة لمصر الاسلامية و ثالث ملكة في تاريخ المسلمين ، و بشكل أو بآخر لقد لعبت “شجر الدر” أدوارا هامة في تاريخ الشرق و الغرب استمرت تأثيراتها لما بعد وفاتها المأساوية ، فحين أخفت “شجر الدر” خبر موت الملك الصالح في خضم معركة مصيرية مع الصليبيين ؛ و تمكنت من السيطرة على أمراء المماليك الصالحية و دفعتهم لنصر حاسم قضى تماما على الحملة الصليبية السابعة ؛ و حين حرضت بعد ذلك نفس أمراء المماليك على قتل “توران شاه” ابن زوجها و الوريث الشرعي لسلطنة الأيوبيين ؛ و حين رضخ الأمراء و الوجهاء لسلطانها و اعترفوا بها كملكة عليهم ؛ هي بكل ما سبق و غيره كانت تضع فصل الختام للحملات الصليبية الكبرى على المشرق طاوية معها صفحة الدولة الأيوبية في مصر و الشام ؛ و في نفس ذات الوقت تخط بيدها السطر الأول في صفحة دولة المماليك ، و حتى حين اختارت المعز أيبك التركماني زوجا لها و تنازلت له عن العرش لم يكن الأمر مجرد انتقالا للسلطة بل تفضيلا لعنصر على باقي العناصر المملوكية ، و ستستمر هيمنة هذا العنصر على الحكم لأكتر من قرن ، و لذلك عندما نتحدث عن “شجر الدر” فنحن لسنا بصدد الحديث عن جارية صارت ملكة بالمصادفة قبل أن تقتل ضربا بالقباقيب و تلقى جثتها من أعلى أسوار القلعة ؛ بل نحن بصدد الحديث عن امرأة استثنائية لازالت بصمتها التاريخية واضحة  للعنان حتى بعد انقضاء قرونا من الزمن

 

حكمت “شجر الدر” كملكة لأقل من ثلاثة أشهر ، لكن تلك المدة كانت كافية لتضرب خلالها نقودا باسمها في القاهرة حصرا ، و بالطبع كانت الدنانير على رأس تلك النقود ، و يبدو أن الاستثنائية التي تمتعت بها شخصية “شجر الدر” قد ألقت بظلالها على دنانيرها ، فبشكل عام يعد دينار شجر الدر أحد أهم و أندر المسكوكات الاسلامية ، و بعد بحث مطول توصلنا لثلاثة نماذج فقط تم نشرها ، و لم يكن ذلك البحث سهلا فدينار شجر الدر لم يظهر مطلقا بأي من المزادات العالمية ، كما لا يمكننا الجزم بأن تلك النماذج الثلاثة هي فقط ما وصلنا من دنانير شجر الدر ، فلربما هناك نماذج أخرى غير منشورة 

 

نقش على وجه دينار “شجر الدر” المأثورات التالية 

 

المؤمنين

المستعصمية الصالحية

ملكة المسلمين والدة

الملك المنصور خليل

أمير

 

 

و نلاحظ في تلك الصيغة وضوح الغرض السياسي ، و كأننا بصدد ملكة تبحث عن الشرعية ، فتنسب نفسها مرة للخليفة المستعصم و مرة للملك الصالح زوجها المتوفي ، ثم تمنح نفسها لقب “ملكة المسلمين” و هو لقب غير مسبوق ، و لا تنسى الاشارة لأنها قد أنجبت ولدا للملك الصالح لُقِّبَ بالمنصور خليل ، فهذا الولد كان فالحقيقة تذكرة الحرية بالنسبة لها كجارية سابقة ، و رغم أن “خليل” هذا قد مات في سن صغيرة إلا أنها لقبته بـ “الملك” على دينارها ، و لا يفوتنا الانتباه للتورية في استخدام اسم خليل متبوعا بـ “أمير” في الأسفل و “المؤمنين” في الأعلى ، و كأنه لقب في حد ذاته ؛ “خليل أمير المؤمنين” ؛ هنا يتحول الاسم لصفة ، و لا غرابة أن يأتي بعد ذلك من يلقب نفسه بـ “قسيم أمير المؤمنين” ، و التدرج في المعنى هنا يستحق التأمل ،،، الخلاصة أن “شجر الدر” سعت بدهاء و حنكة لاستجلاب الشرعية ، و نرى ذلك بوضوح في مأثورات و ألقاب تكشف لنا بعد قرون ما كان يدور في ذهن المرأة التي انتقلت من الحرملك لسدة العرش خلف أسوار قلعة الجبل

 

 

 

IMG 20211001 160253

دينار شجر الدر (الأول) – المتحف البريطاني بلندن – كان من مقتنيات الخديوي اسماعيل و قد أهداه للقنصل البريطاني بمصر و الذي بدوره أهداه للمتحف

images 36

الخديوي اسماعيل في شبابه قبل تسلم الحكم ، نفس الفترة التي أهدى فيها الدينار (الأول) للقنصل البريطاني

 

الثلاثة نماذج المنشورة لدينار “شجر الدر” و التي قد أشرنا إليها ؛ أولها موجود حاليا لدى المتحف البريطاني بلندن ، كان هذا الدينار من مقتنيات الخديوي اسماعيل حفيد محمد علي باشا ، و يبدو أنه قد أهداه للقنصل البريطاني بمصر ؛ السير “تشارلز أوغسطس موراي” ، و الذي بدوره قام باهدائه للمتحف البريطاني سنة 1849 ، كان اسماعيل في ذلك الحين صغير السن أقل من عشرين عام ، و لم يكن قد تسلم الحكم بعد ، و لا نستطيع الجزم بكيفية تحصله على الدينار و لا بملابسات اهدائه للقنصل البريطاني ، و جدير بالذكر أن السير “تشارلز موراي” عمل في مصر كقنصل عام لبريطانيا خلال الفرة بين عامي 1846 – 1853 ؛ لم يقم خلالها بنقل أول دينار ينشر لشجر الدر فقط بل قام أيضا بنقل أول حيوان فرس النهر يصل أوروبا منذ عهد الامبراطورية الرومانية القديمة

 

 

SirCharlesAugustusMurray

السير تشارلز أوغسطس موراي ، القنصل العام البريطاني في مصر ، قام بإهداء الدينار (الأول) للمتحف البريطاني سنة 1849 

 

 

IMG 20211001 160119

دينار شجر الدر (الثاني) – موجود حاليا بالمتحف الاسرائيلي بالقدس – كان ضمن مجموعة الدكتور بول بالوج و قد أوصى في ختام حياته باهداء عدد كبير من المسكوكات للمتحف الاسرائيلي كان منها هذا الدينار ، و هذه هي صورته القديمة التي نشرها بالوج بكتابه عام 1964

 

IMG 20210930 115907
الطبيب و خبير المسكوكات الشهير بول بالوج في شبابه ، الصورة مأخوذة من أحد الوثائق الثبوتية الصادرة في مصر عام 1929 

 

أما الدينار الثاني فكان ضمن مجموعة هاوي الاقتناء و خبير المسكوكات الشهير الدكتور “بول بالوج” ، و قد نشره سنة 1964 في كتابه الأشهر

“The coinage of the Mamluk sultans of Egypt and Syria”

 و في ختام حياته أوصى “بالوج” بإهداء عدد كبير من القطع للمتحف الاسرائيلي بالقدس – 5358 مسكوكة – و من ضمنها دينار “شجر الدر” الذي كان قد اشتراه من تاجر محلي أثناء اقامته في مصر بعد هجرته إليها عام 1926 و عمله كطبيب ، لكني لم أتمكن من الوصول لصورة حديثة لهذا الدينار و ليس لدي سوى الصورة القديمة المنشورة بكتاب بالوج ، و يبدو أن هذا الدينار لم يلقى من المتحف الصهيوني ما يستحقه من اهتمام من حيث اعادة دراسته منفردا و نشره بالقدر الذي يتيح معلومات محدثة و مفصلة عنه و ذلك استكمالا لما قام به بالوج منذ فترة طويلة

 
 
IMG 20210930 115830

بول بالوج قبل وفاته بفترة قصيرة 

 

IMG 20211001 160507
دينار شجر الدر (الثالث) – يوجد حاليا بدبي ضمن مجموعة السيد الأستاذ يحيى جعفر
 

 

أما الدينار الثالث فموجود حاليا بدولة الامارات العربية المتحدة ضمن احدى المجموعات الخاصة ، و مالكه يدعى الأستاذ “يحيى جعفر” خبير بالمسكوكات الاسلامية و له العديد من الأبحاث في هذا المجال ، و قد قامت الباحثة المصرية “إيمان عرفة” بدراسة و نشر هذا الدينار سنة 2016 – بعد موافقة مالكه بطبيعة الحال – في بحث متكامل بعنوان

“The legitimacy of SHAJAR AL-DURR reign as represented in light of a Rare Dinar”

و ليس لدينا معلومات عن كيفية وصول هذا الدينار لمالكه الحالي 

 
 
IMG 20220212 141434 1

السيد الأستاذ يحيى جعفر خبير المسكوكات و مالك الدينار ( الثالث ) – دولة الامارات العربية المتحدة

 
 

لا يصح أن نختم مقالنا هذا من دون نظرة سريعة لقوالب النماذج الثلاثة التي تحدثنا عنها ، و باختصار شديد يمكننا الجزم بأن الدنانير الثلاثة لم تضرب بنفس القالب ، و بمعنى أوضح نحن أمام قالبين أو ربما ثلاثة قوالب ، و لهذا مدلول مهم جدا ، فهو مؤشر على أن الدنانير التي ضربت باسم “شجر الدر” لم تكن قليلة بالقدر الذي كنا نعتقده ، ربما صُهِرَت و أعيد سكها في مرحلة لاحقة ؛ و ربما مازالت الأرض تخفي في جوفها بعض المفاجآت التي قد تظهر في وقت ما أو لا تظهر على الاطلاق 

 

 

 
 

المصادر

* Paul Balog , The coinage of the Mamluk sultans of Egypt and Syria / Plate I .
 
* Eman Arafa , The legitimacy of SHAJAR AL-DURR reign as represented in light of a Rare Dinar – Egyptian Journal of Archaeological and Restoration Studies/Vol. 6 Jun 2016 p 25-70.
 
* Sylloge of Islamic Coins in the Israel Museum , The Paul Balog Collection / Egypt vol. III
 
 
 
 
 
 
 

 

 

تنويـه

 

حصل المؤلف على اذن مسبق لنشر الدينار الثالث و ذلك من مالكه السيد الأستاذ يحيى جعفر ، فله منا جزيل الشكر و التقدير ،، أما الدينار الثاني فقد تواصل المؤلف مع ادارة المتحف الاسرائيلي بالقدس لطلب صورة حديثة له لكن لم يتم ارسال الصورة المطلوبة رغم ترحيب ادارة المتحف في بداية الأمر ، و لذا فقد اكتفينا بالصورة القديمة التي سبق أن نشرها الدكتور بول بالوج ،، أما الدينار الأول فقد راجع المؤلف ترخيص النشر العام للمتحف البريطاني بلندن و الذي يبيح نشر صورة الدينار من دون الحصول على اذن خاص بشرط  ذكر مصدر الصورة  و هذا ما فعلناه